الساعة
البحث
قائمة المقاييس
الخيال عند كولريدج
الخيال عند كولريدج
إنّي أُعرِضُ للخيالِ إمّا في مرتبته الأولى أو
في مرتبته الثانية؛ فأمّا الخيالُ الأوّل فهو القوّة الحيّة، والطاقة الفعّالة،
والعاملُ الأساسُ في كلّ إدراكٍ إنسانيّ، وهو التجلّي المحدودُ في النفس للفعل
الخَلقيّ الأزليّ في الـ«أنا» اللامتناهي.
وأمّا الخيالُ الثاني فليس إلا صدىً للأوّل،
يقترن بالإرادة الوجدانيّة، ويبقى – من جهة نوع عمله – متحقّقاً بتحقّق الأوّل، لا
يباينه إلا في الدرجة وكيفية الأداء. فهو يحلّل، وينشر، ويجزّئ، لكي يعيد الإنشاء
من جديد؛ فإن تعذّر عليه ذلك، جاهد في كلّ حالٍ أن يرقى بالجزئيّ إلى المثال، وأن
يضمّ المتفرّق إلى وحدةٍ جامعة. وهو حيٌّ بطبيعته، في حين أنّ الموضوعات – من حيث
هي موضوعات – ثابتةٌ في أصلها، أقربُ إلى السكون والجمود.
وعلى الضدّ من ذلك، فإنّ قوّةَ الاستدعاء (Fancy) لا تقابلها قوّةٌ تفاعليّة، إذ
لا تعمل إلا في نطاق ما هو ثابتٌ ومحدود. والاستدعاءُ في حقيقته ضربٌ من الذاكرة
تحرّر من نظام الزمان والمكان، واختلط بتلك الظاهرة التجريبيّة للإرادة التي
نُعبّر عنها بلفظ «الاختيار»، فانطبع بها. غير أنّه، كحال الذاكرة المألوفة، لا
بدّ له أن يتلقّى مواده جاهزةً مُعدّةً من الخارج.
وأمّا
ما أراه مناسباً لإعلانه بعد ذلك ممّا يتّصل بقوى الخيال وخصائصه، فيوجد مبسوطاً
في تلك المقالة النقديّة في استعمال ما فوق الطبيعيّ في الشعر والمبادئِ الضابطةِ
لإدخاله، وهي المقالة التي يجدها القارئ في صدر قصيدة «الملاح العتيق»[1] .
تحليل النصّ :
يتناول النصّ إحدى أهم القضايا في النظرية
الرومانتيكية عند صمويل تايلور كولريدج، وهي التفرقة بين الخيال الأوّلي والخيال
الثانوي، مقابل ملكة الاستدعاء. وتقوم هذه التفرقة على رؤية فلسفية عميقة لطبيعة
الإدراك الإنساني وعملية الإبداع الشعري.
أولاً: الخيال الأوّلي
– المبدأ الخالق
يرى كولريدج أنّ الخيال الأوّلي ليس وظيفة
ذهنية عابرة، بل هو قوّة حيّة تمثّل في الإنسان أثر «الخلق» الذي يسري في الوجود.
فهذا الخيال:
1.
طاقة أصيلة تؤسّس كلّ إدراك.
2.
يعمل بشكل غير واعٍ في تكوين الصور والمعاني.
3.
يمثّل في الإنسان صدى للخلق الإلهي أو «اللامتناهي».
إذن فالخيال
الأوّلي عند كولريدج ضرورة معرفية قبل أن يكون أداة فنية.
ثانياً: الخيال
الثانوي – إعادة البناء الجمالي
أمّا الخيال
الثانوي فهو امتداد للخيال الأوّلي، لكنّه يعمل في المستوى الوجداني والإرادي،
ويُعدّ الأداة الرئيسة للإبداع الشعري.
ويتميّز بأنّه:
1.
يعمل بطريقة واعية نسبياً.
2.
يفكّك ويحلّل ثم يعيد تركيب العناصر لإنتاج وحدة جمالية جديدة.
3.
يسعى دائماً إلى الارتقاء بالمادة الحسية إلى مستوى المثال.
4.
يمتاز بالحيوية والنشاط لأنه يُبدع ويُوحِّد.
الخيال الثانوي
إذن هو جوهر العملية الشعرية، لأنه يحوّل المادة الخام إلى معنى موحّد نابض
بالحياة.
ثالثاً: ملكة
الاستدعاء – الذاكرة المزخرفة
في المقابل، يرى كولريدج أنّ ملكة الاستدعاء
(Fancy) لا تُبدع
بالمعنى العميق، بل تشتغل على مواد جاهزة:
1.
هي نوعٌ من الذاكرة، لكنها غير ملتزمة بتسلسل الزمان والمكان.
2.
تعمل عبر الاختيار وترتيب الصور لا عبر خلقها.
3.
لا تضيف جوهراً جديداً إلى ما تستحضره.
4.
وظيفتها زخرفية، تجمع عناصر متفرّقة دون توحيدها في معنى عميق.
ولهذا يعدّها
كولريدج أدنى مرتبة من الخيال؛ فهي تتعامل مع «المحدود والثابت» لا مع «الحيّ
والخلاّق».
رابعا: الدلالة
الفلسفية للنصّ
النصّ لا يقدّم
تعريفات فنية فحسب، بل يعكس نظرة رومانتيكية شاملة:
1.
الإبداع عملية خلق لا محاكاة.
2.
الخيال أصل المعرفة وليس مجرّد تزيين.
3.
الشعر فعلٌ يعيد توحيد العالم الذي فرّقته التجربة الحسية.
4.
الاستدعاء أداة عقلية، أمّا الخيال فقوّة أنطولوجية عميقة.
خلاصة التحليل
النصّ يقدّم
رؤية تجعل من الخيال مركزاً للوجود الإنساني والمعرفة والفن، وتضع الاستدعاء في
مرتبة ثانوية. وتُعدّ هذه التفرقة أساساً لقراءة الشعر الرومانتيكي وفهم آلياته
الجمالية، ولا سيّما في أعمال كولريدج نفسه.
أولاً: الخيال
عند كولريدج
يقيم كولريدج
تمييزاً أساسياً بين الخيال الأوّلي والخيال الثانوي:
الخيال الأوّلي
·
قوّة معرفية أصيلة تشارك في تكوين الإدراك الإنساني.
·
فعلٌ خَلْقيّ يعيد إنتاج أثر «الخلق» في العقل البشري.
·
ليس وظيفة فنية بل هو أساس الوعي.
الخيال الثانوي
·
قوّة إبداعية واعية.
·
تُفكّك وتعيد تركيب العناصر لتنتج وحدة جمالية جديدة.
·
جوهر الشعر والفن.
الاستدعاء (Fancy)
·
أشبه بالذاكرة، تجمع الصور دون أن تُبدع معنى جديداً.
·
وظيفة عقلية لا تبلغ مرتبة الخيال الخلّاق.
إذن فالخيال عند
كولريدج قوّة أنطولوجية ومعرفية قبل أن يكون أداة جمالية.
ثانياً: الخيال
عند العرب
1. الخيال عند
الجاحظ
يركّز الجاحظ في
البيان والتبيين والحيوان على:
·
الصورة الذهنية التي تتشكّل عبر الحواس،
·
وقدرة الشاعر والخطيب على إعادة تشكيلها بلاغياً.
·
الخيال عنده مرتبط بـــالتصوير البياني وطاقته على الإقناع وإحداث التأثير.
لا يضع الجاحظ تمييزاً صارماً بين درجات للخيال، بل ينظر إليه باعتباره:
·
امتداداً للطبيعة الإنسانية
·
وأداة للبلاغة والتمثيل
·
وطريقة لفهم العالم عبر «التشبيه» و«التمثيل».
فالخيال عند
الجاحظ بلاغي-تصويري أكثر منه فلسفياً.
2. الخيال عند
ابن سينا
في الفلسفة
الإشراقية المشرقية وفي كتاب الشفاء والنجاة، يقيم ابن سينا نظاماً دقيقاً للقوى
النفسية:
القوّة
المتخيّلة
·
تحفظ الصور الحسية بعد زوال المحسوس.
·
تركّب وتفصل بين الصور.
·
تقع بين الحسّ والعقل.
القوّة المُمَيِّزة أو
الوهمية
·
تدرك المعاني الجزئية (مثل الشجاعة والعداوة).
القوّة المُفكّرة أو
المتصرّفة
·
تجمع الصور وتؤلّف بينها لأغراض معرفية.
الخيال عند ابن سينا
يتدرّج من الحسّ إلى الفكر، وهو:
·
وسيطٌ ضروري بين المحسوس والعقلي،
·
وله وظيفة معرفية وجمالية معاً،
·
لكنه ليس خلقاً، بل تركيب وإعادة بناء لما هو موجود.
ثالثاً: نقاط
الالتقاء
الخيال وسيط بين
الحواس والعقل
·
كولريدج: الخيال الأوّلي ينشئ
الإدراك.
·
ابن سينا: القوّة المتخيّلة تحفظ
الصور وتربط بين الحس والعقل.
دور الخيال في الإبداع
·
كولريدج: الخيال الثانوي ينتج
الوحدة الجمالية الجديدة.
·
الجاحظ: الخيال يبدع التصوير
البياني ويخلق التأثير في المتلقّي.
التمييز بين الخيال
والإجراء العقلي البحت
·
كولريدج: الاستدعاء وظيفة عقلية
غير مبدعة.
·
ابن سينا: الوهم والتذكر قوى غير
مبدعة مقارنة بالمتخيّلة.
رابعاً: نقاط
الاختلاف
الطبيعة
الميتافيزيقية للخيال
·
كولريدج: يمنح الخيال الأوّلي
صفة «الخَلق»، ويجعله امتداداً للقدرة الإلهية.
·
العرب : (الجاحظ وابن سينا) لا يرون الخيال خَلْقاً، بل إعادة
تشكيل للصور.
البنية النظرية
·
كولريدج ينطلق من فلسفة
رومانتيكية تجعل الخيال أساس الوعي.
·
ابن سينا ينطلق من نظرية النفس
الأرسطية—الأفلاطونية، حيث الخيال إحدى القوى النفسية.
·
الجاحظ ينطلق من بلاغة عربية
لا تهتم ببناء نظام فلسفي للخيال.
وظيفة الخيال
·
كولريدج: وظيفة معرفية
وأنطولوجية وجمالية.
·
ابن سينا: وظيفة معرفية بالأساس
(وسيط بين الحس والعقل).
·
الجاحظ: وظيفة بلاغية وفنية.
التمييز بين الدرجات
·
كولريدج يقدّم تمييزاً صارماً:
خيال أوّلي / ثانوي / استدعاء.
·
ابن سينا يقدّم درجات مختلفة
للقوى النفسية، لكنه لا يضع «خيالاً خلاقاً».
·
الجاحظ لا يقسّم الخيال، بل
ينظر إليه كقدرة عامة في البيان.
خامساً: خلاصة
مقارِنة
يمكن
القول إنّ كولريدج يقدّم تصوراً يجمع بين الفلسفة والجماليات، يجعل الخيال مركزاً
للإبداع والوعي. أمّا ابن سينا فيقدّم تصوراً عقلياً-نفسياً يجعل الخيال وسيطاً
معرفياً ضرورياً. في حين ينظر الجاحظ إلى الخيال من زاوية البلاغة العربية بوصفه
أداة للتصوير والتأثير.وبذلك يتّضح أنّ الخيال عند كولريدج مبدأ خالق، وعند ابن
سينا قوّة نفسية مركّبة، وعند الجاحظ طاقة بيانية تصويرية.
أولاً: الفارابي
– الخيال
العقلاني المنظم للمعرفة
·
يرى الفارابي أن الخيال عقلاني، أي أنه قوة ذهنية تعمل على تنظيم الممكنات
وربطها بالنظام الكلي للمعرفة.
·
الخيال عنده ليس أداة إبداعية بالمعنى الشعري فقط، بل وسيط معرفي يساعد
العقل على تصور الحقائق الممكنة قبل إدراكها بالحس أو التجربة.
·
الوظيفة الجمالية محدودة، إذ تتركز على تنظيم التصورات وإضفاء الانسجام بين
الصور الذهنية، وليس خلق صور جديدة تمامًا.
·
الخيال مرتبط بالمعرفة والفكر، ويخدم غايات عقلية وفلسفية أكثر من غايات
فنية.
ثانياً: ابن
عربي
– الخيال كأداة
روحية وحسية
·
عند ابن عربي، يمثل الخيال أداة مزدوجة تجمع بين البُعد الحسي والبعد
الروحي.
·
يمكن من خلاله فهم الحقائق الإلهية والكونية، أي أنه يعمل كوسيط بين العالم
المادي والعالم الروحي.
·
الصور المتخيّلة ليست مجرد صور نفسية، بل إيحاءات روحية وجمالية تظهر في
النصوص الصوفية والشعرية.
·
الخيال هنا يربط الحسي بالروحي، ويُعدّ جوهر التجربة الصوفية والإدراك
الباطني.
ثالثاً: عبد
القاهر الجرجاني
– الخيال اللغوي والجمالي
·
الجرجاني ينظر إلى الخيال في نطاق اللغة والنص، فهو أداة لإنتاج المعنى
والجمال الأدبي.
·
يستخدم الخيال لتفسير الإيحاءات اللغوية وتحليل الصور البيانية.
·
يرتبط الخيال بالبلاغة والتشكيل الفني للنص، أي أنه وظيفة جمالية معرفية
لغوية، أكثر منه خلقًا ميتافيزيقيًا أو فلسفيًا.
·
يركز على دور الخيال في توحيد المعنى وتأثير النص على المتلقّي.
رابعاً: حازم
القرطاجني
– الخيال
والتحليل البلاغي
·
عند حازم، يُعد الخيال أداة عقلية ونقدية أكثر منها أداة إبداعية.
·
وظيفته الأساسية تحليل النصوص، ضبط الفصاحة، وحكم على دقة العبارة.
·
لا يسعى لخلق صور جديدة أو إنتاج وحدة جمالية، بل تقييم النص من منظور لغوي
وبلاغي.
·
الخيال أداة مساعدة للعقل في فهم النصوص وتصنيف جمالياتها، أقل إبداعاً من
الجرجاني وكولريدج.
[1] Coleridge, Samuel Taylor. Biographia Literaria. Edited
by James Engell and W. Jackson Bate, Princeton UP, 1983, pp. 202–204.
كولريدج، صمويل تايلور. السيرة الأدبية. تحرير
جيمس إنغل و دبليو. جاكسون بايت. مطبعة جامعة برنستون، 1983، صص 202–204.
