الساعة

البحث


قائمة المقاييس


الشكلانية

المفهوم الأول: التغريب عند فيكتور شكلوفسكي

سنبدأ بمفهوم التغريب (Defamiliarization)، مستندين إلى نص شكلوفسكي «الفن بوصفه تقنية» (Art as Technique, 1917). )

1. النص المؤسِّس للمفهوم

يقول شكلوفسكي في النص:

“The purpose of art is to impart the sensation of things as they are perceived and not as they are known.”

الترجمة العربية:

«غاية الفن أن ينقل إلينا الإحساس بالأشياء كما تُدرَك، لا كما تُعرَف».

ويتابع:

“The technique of art is to make objects ‘unfamiliar,’ to make forms difficult, to increase the difficulty and length of perception because the process of perception is an aesthetic end in itself and must be prolonged.”

الترجمة العربية:

«تتمثل تقنية الفن في جعل الأشياء غير مألوفة، وجعل الأشكال صعبة، وزيادة صعوبة الإدراك وإطالة مدته؛ لأن عملية الإدراك غاية جمالية في ذاتها، وينبغي إطالتها».

المصدر: Victor Shklovsky, “Art as Technique” (1917

هاتان العبارتان هما نقطة الانطلاق؛ لأنهما تجمعان بين غاية الفن، وطريقة اشتغاله، والأثر الذي يسعى إلى إحداثه في الإدراك.

2. لماذا يحتاج شكلوفسكي إلى مفهوم التغريب؟

لفهم المفهوم، ينبغي ألّا نبدأ بتعريفه المعجمي فقط، بل بالمشكلة التي دفعته إلى صياغته.

يصف شكلوفسكي أثر الاعتياد في الإدراك بقوله:

“After we see an object several times, we begin to recognize it. The object is in front of us and we know about it, but we do not see it…”

الترجمة:

«بعد أن نرى الشيء مرات عديدة، نبدأ في التعرّف إليه. يكون الشيء أمامنا ونعرفه، لكننا لا نراه…».

تكمن أهمية هذا المقطع في التمييز بين معرفة الشيء ورؤيته. فالمعرفة هنا تعني التعرّف إلى الشيء اعتمادًا على الألفة السابقة به، أما الرؤية فتشير إلى إدراكه إدراكًا فعليًا لا يختزله في مجرد علامة مألوفة.

هذا التمييز لا يعني أن الإنسان يفقد القدرة البصرية على رؤية الأشياء، وإنما يعني أن الاعتياد قد يجعل إدراكه لها آليًا، فلا يعود ينتبه إلى تفاصيلها كما كان يفعل من قبل.

الاستنتاج المفهومي

يمكن إعادة بناء العلاقة على النحو الآتي:

الاعتياد ← أتمتة الإدراك ← تراجع الانتباه إلى خصائص الشيء ← الحاجة إلى تجديد الإدراك.

هذه السلسلة صياغة تحليلية مستخلصة من النص، وليست اقتباسًا حرفيًا منه.

3. ما الوظيفة التي يؤديها التغريب؟

يقدّم شكلوفسكي عبارته الأكثر دلالة في هذا الموضع:

“And art exists that one may recover the sensation of life; it exists to make one feel things, to make the stone stony.”

الترجمة:

«ويوجد الفن لكي يستعيد الإنسان الإحساس بالحياة؛ إنه موجود لكي يجعلنا نحسّ بالأشياء، ولكي يجعل الحجرَ حجريًّا».

 

إن عبارة «جعل الحجر حجريًّا» ليست دعوة إلى تغيير طبيعة الحجر المادية؛ إنها تعبير عن استعادة الإحساس بخصائص الشيء التي قد يحجبها الاعتياد. فالحجر معروف في التجربة اليومية، لكن تقديمه فنيًا بطريقة غير مألوفة قد يجعلنا ننتبه إلى حضوره وصفاته بدل الاكتفاء بالتعرّف إليه.

وبذلك، لا يكون التغريب مجرد غرابة في الأسلوب، ولا مجرد استخدام ألفاظ غير مألوفة. إنما تبرز أهميته حين يغيّر الطريقة التي يُدرَك بها الموضوع.

ومن هنا نستطيع التمييز بين ثلاثة مستويات:

1. التقنية: الوسيلة التي يُعاد بها تشكيل العرض الفني.

2. التغريب: جعل الشيء أو طريقة تقديمه غير مألوفين.

3. تجديد الإحساس: الأثر الإدراكي الذي تسعى هذه العملية إلى إحداثه.

وهذه المستويات مترابطة، لكنها ليست مترادفة.

4. كيف يتحقق التغريب في النص الأدبي؟

يشرح شكلوفسكي إحدى طرائق تولستوي في جعل المألوف غريبًا:

“Tolstoy makes the familiar seem strange by not naming the familiar object.”

الترجمة:

«يجعل تولستوي المألوف يبدو غريبًا من خلال عدم تسمية الشيء المألوف باسمه المعتاد».

يشرح شكلوفسكي هنا آلية محددة: بدل أن يسمّي الكاتب الشيء باسمه المتعارف عليه، يصفه كما لو كان يراه للمرة الأولى، أو يعرض الحدث كما لو كان يقع لأول مرة. وبهذا يتعطل التعرّف السريع الذي تتيحه التسمية المألوفة.

يمكن أن نوضح ذلك بمثال افتراضي: إذا وصف الكاتب كرسيًا بأنه «شيء ذو قوائم يستند إليه الإنسان»، فإنه لا يقدّمه بالاسم الذي اعتدنا استعماله، بل يعيد وصفه من خلال خصائصه ووظيفته. وقد يدفعنا هذا الوصف إلى إعادة النظر في شيء اعتدنا رؤيته من دون انتباه.

المثال توضيحي من عندنا، أما الاستراتيجية نفسها — تجنّب الاسم المألوف وإعادة وصف الشيء — فهي واردة عند شكلوفسكي.

لكن ينبغي ألّا نستنتج أن حذف الاسم هو التغريب ذاته في جميع الحالات؛ إنه إحدى تقنياته الممكنة، وليس تعريفًا شاملًا له.

5. حدود المفهوم: هل كل غرابة تُعدّ تغريبًا؟

لا يسمح النص باختزال التغريب في مجرد وجود شيء غريب أو غير مألوف. فالمفهوم مرتبط بوظيفة فنية وإدراكية، لا بمجرد صفة سطحية في الموضوع.

لذلك، عندما نحلل نصًا أدبيًا، لا يكفي أن نقول إن تعبيرًا ما غريب أو إن صورة ما غير مألوفة. ينبغي أن نطرح أسئلة أكثر تحديدًا:

- ما الشيء الذي كان يُدرك عادةً بطريقة مألوفة؟

- ما التقنية التي غيّرت طريقة تقديمه؟

- كيف عطّلت هذه التقنية التعرّف الآلي؟

- ما الذي أضافته إلى تجربة إدراك الموضوع؟

إذا لم نستطع تحديد هذه العلاقة، فقد نكون أمام غرابة لغوية فحسب، لا أمام تغريب بالمعنى الذي نعيد بناءه من نص شكلوفسكي.

6. الصياغة المفهومية النهائية

يمكننا، بعد تحليل المقاطع السابقة، صياغة تعريف إجرائي للتغريب على النحو الآتي:

التغريب عند شكلوفسكي تقنية فنية تقوم على جعل الأشياء أو الأحداث المألوفة تُقدَّم بطريقة غير مألوفة، بما يعطّل أتمتة إدراكها ويطيل عملية التلقي، ويعيد تنشيط الإحساس بها بدل الاكتفاء بالتعرّف السريع إليها.

وينبغي التنبيه إلى أن التغريب، في هذا التصور، ليس غاية منفصلة عن الفن، بل يرتبط بفكرة شكلوفسكي عن وظيفة الفن نفسها: تجديد الإدراك واستعادة الإحساس بالأشياء.

حصيلة المرحلة الأولى

أصبح لدينا الآن تصور أولي للمفهوم، يتضمن تعريفه ومشكلته النظرية وآليته ووظيفته وحدوده. والخطوة التالية هي دراسة مفهوم الأتمتة (Automatization) دراسة مستقلة، لأن التغريب لا تتضح دلالته النظرية كاملة إلا بفهم العملية الإدراكية التي يسعى إلى مقاومتها.

المفهوم الثاني: الأتمتة (Automatization) عند فيكتور شكلوفسكي

سنخصّص هذه الدراسة لمفهوم الأتمتة في نص «الفن بوصفه تقنية» (Art as Technique, 1917)، مع التعامل معه بوصفه مفهومًا مستقلًا، ثم بيان علاقته بالتغريب الذي درسناه سابقًا.

المسألة الأساسية هنا ليست مجرد تعريف الأتمتة، بل فهم موقعها في التصور النظري لشكلوفسكي: لماذا تصبح الأشياء المألوفة أقل حضورًا في إدراكنا؟ وكيف يفسّر ذلك الحاجة إلى الفن؟ وما طبيعة العلاقة بين الاعتياد والإدراك الآلي والتغريب؟

1. النص الأصلي: كيف تعمل الأتمتة؟

يقول شكلوفسكي:

“After we see an object several times, we begin to recognize it. The object is in front of us and we know about it, but we do not see it—hence we cannot say anything significant about it.”

الترجمة العربية:

«بعد أن نرى الشيء مرات عديدة، نبدأ في التعرّف إليه. يكون الشيء أمامنا ونعرفه، لكننا لا نراه؛ ومن ثم لا نستطيع أن نقول عنه شيئًا ذا دلالة».

هذا المقطع هو المدخل الأوضح إلى مفهوم الأتمتة؛ إذ يضع شكلوفسكي في مقابلة بين عمليتين: التعرّف إلى الشيء ومعرفته من جهة، وإدراكه إدراكًا فعليًا من جهة أخرى.

لا يقصد شكلوفسكي أننا نفقد القدرة الحسية على رؤية الأشياء المألوفة، بل إن التكرار والاعتياد قد يجعلان إدراكها سريعًا وآليًا، بحيث نكتفي بالتعرّف إليها من دون أن ننتبه إلى تفاصيلها أو نختبر حضورها كما لو كانت جديدة.

إذن، المشكلة ليست في غياب الشيء عن مجال الرؤية، بل في تراجع الانتباه إليه رغم وجوده أمامنا.

2. النص الثاني: من الاعتياد إلى الإدراك الآلي

يشرح شكلوفسكي العلاقة بين الاعتياد والأتمتة بعبارة مباشرة:

“As perception becomes habitual, it becomes automatic.”

الترجمة:

«كلما أصبح الإدراك اعتياديًا، أصبح آليًا».

ويضيف:

“All of our habits retreat into the area of the unconsciously automatic.”

الترجمة:

«تنتقل عاداتنا كلها إلى مجال الفعل الآلي غير الواعي».

تحليل النص

تقوم الحجة هنا على علاقة سببية بين عمليتين:

- الاعتياد (Habituation): تكرار الفعل أو التعرّض للشيء حتى يصبح مألوفًا.

- الأتمتة (Automatization): تحوّل الإدراك أو الأداء إلى عملية آلية لا تتطلب الدرجة نفسها من الانتباه الواعي.

ليس المفهومان مترادفين تمامًا؛ فالاعتياد يصف المسار الذي تنشأ عنه الألفة، بينما تشير الأتمتة إلى الكيفية التي يصبح بها الإدراك أو الفعل أقل اعتمادًا على الانتباه الواعي.

ومن المهم كذلك ألّا نفهم عبارة «غير الواعي» هنا بوصفها إحالة إلى مفهوم اللاوعي في التحليل النفسي. فشكلوفسكي يتحدث في هذا الموضع عن أداء العادات والإدراك بصورة آلية، لا عن نظرية نفسية في الدوافع المكبوتة.

الاستنتاج

الأتمتة ليست مجرد سرعة في الإدراك، وإنما اختزال في مقدار الانتباه الذي نمنحه للشيء بسبب اعتيادنا عليه. وقد تصاحبها السرعة، لكنها لا تُعرَّف بالسرعة وحدها.

الأتمتة واختزال الشيء إلى علاماته

يستخدم شكلوفسكي تشبيهًا لافتًا لتفسير الإدراك الآلي:

“We know what it is by its configuration, but we see only its silhouette.”

الترجمة:

«نعرف ماهيته من خلال هيئته، لكننا لا نرى إلا صورته الظلية».

ماذا يعني هذا التشبيه؟

عندما يصبح إدراك الشيء آليًا، قد نكتفي بسماته العامة التي تمكّننا من التعرّف إليه، من دون أن ننتبه إلى تفاصيله أو نختبره في كليته.

فالإنسان قد يتعرّف إلى منزل بمجرد رؤية هيئته الخارجية، لكنه لا يكون بالضرورة منتبهًا إلى تفاصيل واجهته أو نوافذه أو طريقة توزّع أجزائه. وفي الاستعمال اليومي، قد يكون هذا الاختزال مفيدًا؛ لأنه يتيح لنا التعامل السريع مع محيطنا.

لكن شكلوفسكي يهتم بالنتيجة التي يترتب عليها هذا الاختزال في التجربة الإدراكية: قد نعرف الشيء من خلال علاماته المميزة، بينما يتراجع انتباهنا إلى حضوره الحسي وتفاصيله.

إذن، فالأتمتة لا تعني انعدام المعرفة بالشيء، بل قد تعني العكس: إننا نتعرّف إليه بسرعة بفضل المعرفة السابقة، لكن هذه المعرفة نفسها تصبح بديلًا عن إعادة إدراكه.

4. الأتمتة والاقتصاد في الجهد الإدراكي

يربط شكلوفسكي الإدراك الآلي بما يسميه الاقتصاد في الجهد الإدراكي، ويستخدم مفهوم «الجَبْرنة» أو «التحويل إلى صيغة جبرية» (Algebrization) لتوضيح اختزال الأشياء إلى رموز أو علامات مختصرة.

يقول:

“The process of ‘algebrization,’ the over-automatization of an object, permits the greatest economy of perceptive effort.”

الترجمة:

«إن عملية “الجبرنة”، أي الإفراط في أتمتة الشيء، تتيح أكبر قدر من الاقتصاد في الجهد الإدراكي».

ويضرب مثالًا بإنسان يقوم بعمل منزلي معتاد، ثم يعجز عن تذكّر ما إذا كان قد مسح قطعة من الأثاث أم لا؛ لأن الحركة تمت بصورة اعتيادية لا تستدعي انتباهًا واعيًا كافيًا.

في هذا المثال، لا تكون المشكلة في أن الفعل لم يحدث بالضرورة، وإنما في أن إنجازه آليًا قد يمنع تكوّن ذكرى واضحة عنه.




 

لا يرفض شكلوفسكي الاقتصاد في الجهد بوصفه ضرورة للحياة اليومية؛ إنما يكشف حدوده حين يصبح معيارًا لتفسير اللغة الشعرية والفن. فالفن، في تصوره، لا يسعى دائمًا إلى تسهيل الإدراك وتقليص مدته، بل قد يفعل العكس.

5. الأتمتة ومحو الإحساس بالحياة

يعبّر شكلوفسكي عن خطورة الاعتياد بقوله:

 “Habitualization devours works, clothes, furniture, one’s wife, and the fear of war.”

الترجمة:

«يلتهم الاعتياد الأعمال والملابس والأثاث والزوجة، وحتى الخوف من الحرب».

هذه العبارة بلاغية، لكنها تؤدي وظيفة نظرية محددة. فشكلوفسكي يوسّع أثر الاعتياد ليشمل أشياء وتجارب ذات طبيعة مختلفة: الأعمال الفنية، والأشياء اليومية، والعلاقات الإنسانية، وحتى التجارب الخطيرة.

المقصود ليس أن هذه الأشياء تختفي ماديًا أو تفقد قيمتها بالضرورة، بل إن الاعتياد قد يحجب عنا الإحساس بها. فقد يستمر الشيء في حياتنا، بينما يتراجع انتباهنا إلى وجوده ودلالته.

ومن هنا ينتقل شكلوفسكي من وصف آلية إدراكية إلى طرح مشكلة فنية: إذا كان الاعتياد يجعل التجربة أقل حضورًا في وعينا، فإن الفن يستطيع أن يعيد تقديم الأشياء بطريقة تستعيد بها قدرتها على إثارة الانتباه.

وهذا هو الموضع الذي تلتقي فيه دراسة الأتمتة بدراسة التغريب، من غير أن يتطابق المفهومان.

6. العلاقة بين الأتمتة والتغريب

هذا المخطط تركيب تحليلي للعلاقات التي يقيمها النص، وليس تسلسلًا حرفيًا صاغه شكلوفسكي بهذا الشكل.

والتمييز الحاسم هو أن الأتمتة تصف المشكلة الإدراكية، بينما يصف التغريب استجابة فنية لهذه المشكلة. فالأتمتة تفسّر لماذا قد نمرّ على الأشياء من دون أن ننتبه إليها، والتغريب يفسّر كيف يمكن للفن أن يعيد تقديمها بطريقة تجدد إدراكنا لها.

7. هل الأتمتة مفهوم نفسي أم مفهوم نقدي؟

يصف شكلوفسكي ظاهرة تتصل بالإدراك والعادة، لكنه يوظفها في بناء تفسير نقدي لوظيفة الفن.

ولذلك ينبغي التمييز بين مستويين:

- المستوى الوصفي: الاعتياد يجعل بعض الأفعال وطرائق الإدراك آلية، ويقلّل ما تتطلبه من انتباه واعٍ.

- المستوى النقدي والجمالي: يساعد هذا التصور على تفسير الحاجة إلى تقنيات فنية تقاوم الإدراك الآلي، وتمنح المتلقي تجربة مختلفة للشيء.

 

لا يكفي، إذن، أن نقول إن شكلوفسكي يدرس العادات البشرية؛ فالأهم أنه يجعل هذه الظاهرة مدخلًا لتفسير وظيفة الفن وطرائق تشكيله.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن ننسب إليه، اعتمادًا على هذا النص وحده، نظرية نفسية شاملة في العادة أو الوعي؛ فموضوعه هنا هو توظيف هذه الظاهرة في تفسير الإدراك الفني.

8. التعريف المفهومي النهائي

يمكننا صياغة تعريف إجرائي للأتمتة عند شكلوفسكي كما يأتي:

الأتمتة هي تحوّل الإدراك أو الأداء، بفعل الاعتياد، إلى عملية آلية تقلّ فيها الحاجة إلى الانتباه الواعي، فيُختزل الشيء إلى سماته المألوفة أو علاماته العامة، وقد يتراجع بذلك الإحساس بتفاصيله وحضوره. ويكتسب المفهوم أهميته الجمالية لأنه يفسّر المشكلة التي يستجيب لها التغريب: مقاومة الإدراك الآلي وتجديد تجربة الأشياء.

هذا تعريف تركيبي مستند إلى النص، وليس اقتباسًا حرفيًا من شكلوفسكي.

الخطوة التالية المقترحة: دراسة مفهوم التقنية الفنية (Technique) بصورة مستقلة؛ لأنه يفسّر كيف تتحول مقاومة الأتمتة من غاية عامة إلى إجراءات ملموسة في اللغة والوصف والسرد والإيقاع.

 

 

 

الخيال عند كولريدج




الخيال عند كولريدج

     إنّي أُعرِضُ للخيالِ إمّا في مرتبته الأولى أو في مرتبته الثانية؛ فأمّا الخيالُ الأوّل فهو القوّة الحيّة، والطاقة الفعّالة، والعاملُ الأساسُ في كلّ إدراكٍ إنسانيّ، وهو التجلّي المحدودُ في النفس للفعل الخَلقيّ الأزليّ في الـ«أنا» اللامتناهي.

    وأمّا الخيالُ الثاني فليس إلا صدىً للأوّل، يقترن بالإرادة الوجدانيّة، ويبقى – من جهة نوع عمله – متحقّقاً بتحقّق الأوّل، لا يباينه إلا في الدرجة وكيفية الأداء. فهو يحلّل، وينشر، ويجزّئ، لكي يعيد الإنشاء من جديد؛ فإن تعذّر عليه ذلك، جاهد في كلّ حالٍ أن يرقى بالجزئيّ إلى المثال، وأن يضمّ المتفرّق إلى وحدةٍ جامعة. وهو حيٌّ بطبيعته، في حين أنّ الموضوعات – من حيث هي موضوعات – ثابتةٌ في أصلها، أقربُ إلى السكون والجمود.

    وعلى الضدّ من ذلك، فإنّ قوّةَ الاستدعاء (Fancy) لا تقابلها قوّةٌ تفاعليّة، إذ لا تعمل إلا في نطاق ما هو ثابتٌ ومحدود. والاستدعاءُ في حقيقته ضربٌ من الذاكرة تحرّر من نظام الزمان والمكان، واختلط بتلك الظاهرة التجريبيّة للإرادة التي نُعبّر عنها بلفظ «الاختيار»، فانطبع بها. غير أنّه، كحال الذاكرة المألوفة، لا بدّ له أن يتلقّى مواده جاهزةً مُعدّةً من الخارج.

    وأمّا ما أراه مناسباً لإعلانه بعد ذلك ممّا يتّصل بقوى الخيال وخصائصه، فيوجد مبسوطاً في تلك المقالة النقديّة في استعمال ما فوق الطبيعيّ في الشعر والمبادئِ الضابطةِ لإدخاله، وهي المقالة التي يجدها القارئ في صدر قصيدة «الملاح العتيق»[1] .

 

 

تحليل النصّ :

     يتناول النصّ إحدى أهم القضايا في النظرية الرومانتيكية عند صمويل تايلور كولريدج، وهي التفرقة بين الخيال الأوّلي والخيال الثانوي، مقابل ملكة الاستدعاء. وتقوم هذه التفرقة على رؤية فلسفية عميقة لطبيعة الإدراك الإنساني وعملية الإبداع الشعري.

أولاً: الخيال الأوّلي – المبدأ الخالق

      يرى كولريدج أنّ الخيال الأوّلي ليس وظيفة ذهنية عابرة، بل هو قوّة حيّة تمثّل في الإنسان أثر «الخلق» الذي يسري في الوجود.

فهذا الخيال:

1.      طاقة أصيلة تؤسّس كلّ إدراك.

2.      يعمل بشكل غير واعٍ في تكوين الصور والمعاني.

3.      يمثّل في الإنسان صدى للخلق الإلهي أو «اللامتناهي».

إذن فالخيال الأوّلي عند كولريدج ضرورة معرفية قبل أن يكون أداة فنية.

ثانياً: الخيال الثانوي – إعادة البناء الجمالي

أمّا الخيال الثانوي فهو امتداد للخيال الأوّلي، لكنّه يعمل في المستوى الوجداني والإرادي، ويُعدّ الأداة الرئيسة للإبداع الشعري.

ويتميّز بأنّه:

1.      يعمل بطريقة واعية نسبياً.

2.      يفكّك ويحلّل ثم يعيد تركيب العناصر لإنتاج وحدة جمالية جديدة.

3.      يسعى دائماً إلى الارتقاء بالمادة الحسية إلى مستوى المثال.

4.      يمتاز بالحيوية والنشاط لأنه يُبدع ويُوحِّد.

الخيال الثانوي إذن هو جوهر العملية الشعرية، لأنه يحوّل المادة الخام إلى معنى موحّد نابض بالحياة.

ثالثاً: ملكة الاستدعاء – الذاكرة المزخرفة

     في المقابل، يرى كولريدج أنّ ملكة الاستدعاء (Fancy) لا تُبدع بالمعنى العميق، بل تشتغل على مواد جاهزة:

1.      هي نوعٌ من الذاكرة، لكنها غير ملتزمة بتسلسل الزمان والمكان.

2.      تعمل عبر الاختيار وترتيب الصور لا عبر خلقها.

3.      لا تضيف جوهراً جديداً إلى ما تستحضره.

4.      وظيفتها زخرفية، تجمع عناصر متفرّقة دون توحيدها في معنى عميق.

ولهذا يعدّها كولريدج أدنى مرتبة من الخيال؛ فهي تتعامل مع «المحدود والثابت» لا مع «الحيّ والخلاّق».

رابعا: الدلالة الفلسفية للنصّ

النصّ لا يقدّم تعريفات فنية فحسب، بل يعكس نظرة رومانتيكية شاملة:

1.      الإبداع عملية خلق لا محاكاة.

2.      الخيال أصل المعرفة وليس مجرّد تزيين.

3.      الشعر فعلٌ يعيد توحيد العالم الذي فرّقته التجربة الحسية.

4.      الاستدعاء أداة عقلية، أمّا الخيال فقوّة أنطولوجية عميقة.

خلاصة التحليل

النصّ يقدّم رؤية تجعل من الخيال مركزاً للوجود الإنساني والمعرفة والفن، وتضع الاستدعاء في مرتبة ثانوية. وتُعدّ هذه التفرقة أساساً لقراءة الشعر الرومانتيكي وفهم آلياته الجمالية، ولا سيّما في أعمال كولريدج نفسه.

أولاً: الخيال عند كولريدج

يقيم كولريدج تمييزاً أساسياً بين الخيال الأوّلي والخيال الثانوي:

الخيال الأوّلي

·         قوّة معرفية أصيلة تشارك في تكوين الإدراك الإنساني.

·         فعلٌ خَلْقيّ يعيد إنتاج أثر «الخلق» في العقل البشري.

·         ليس وظيفة فنية بل هو أساس الوعي.

الخيال الثانوي

·         قوّة إبداعية واعية.

·         تُفكّك وتعيد تركيب العناصر لتنتج وحدة جمالية جديدة.

·         جوهر الشعر والفن.

الاستدعاء (Fancy)

·         أشبه بالذاكرة، تجمع الصور دون أن تُبدع معنى جديداً.

·         وظيفة عقلية لا تبلغ مرتبة الخيال الخلّاق.

إذن فالخيال عند كولريدج قوّة أنطولوجية ومعرفية قبل أن يكون أداة جمالية.

ثانياً: الخيال عند العرب

1. الخيال عند الجاحظ

يركّز الجاحظ في البيان والتبيين والحيوان على:

·         الصورة الذهنية التي تتشكّل عبر الحواس،

·         وقدرة الشاعر والخطيب على إعادة تشكيلها بلاغياً.

·         الخيال عنده مرتبط بـــالتصوير البياني وطاقته على الإقناع وإحداث التأثير.

لا يضع الجاحظ تمييزاً صارماً بين درجات للخيال، بل ينظر إليه باعتباره:

·         امتداداً للطبيعة الإنسانية

·         وأداة للبلاغة والتمثيل

·         وطريقة لفهم العالم عبر «التشبيه» و«التمثيل».

فالخيال عند الجاحظ بلاغي-تصويري أكثر منه فلسفياً.

2. الخيال عند ابن سينا

في الفلسفة الإشراقية المشرقية وفي كتاب الشفاء والنجاة، يقيم ابن سينا نظاماً دقيقاً للقوى النفسية:

القوّة المتخيّلة

·         تحفظ الصور الحسية بعد زوال المحسوس.

·         تركّب وتفصل بين الصور.

·         تقع بين الحسّ والعقل.

القوّة المُمَيِّزة أو الوهمية

·         تدرك المعاني الجزئية (مثل الشجاعة والعداوة).

القوّة المُفكّرة أو المتصرّفة

·         تجمع الصور وتؤلّف بينها لأغراض معرفية.

الخيال عند ابن سينا يتدرّج من الحسّ إلى الفكر، وهو:

·         وسيطٌ ضروري بين المحسوس والعقلي،

·         وله وظيفة معرفية وجمالية معاً،

·         لكنه ليس خلقاً، بل تركيب وإعادة بناء لما هو موجود.

ثالثاً: نقاط الالتقاء

الخيال وسيط بين الحواس والعقل

·         كولريدج: الخيال الأوّلي ينشئ الإدراك.

·         ابن سينا: القوّة المتخيّلة تحفظ الصور وتربط بين الحس والعقل.

دور الخيال في الإبداع

·         كولريدج: الخيال الثانوي ينتج الوحدة الجمالية الجديدة.

·         الجاحظ: الخيال يبدع التصوير البياني ويخلق التأثير في المتلقّي.

التمييز بين الخيال والإجراء العقلي البحت

·         كولريدج: الاستدعاء وظيفة عقلية غير مبدعة.

·         ابن سينا: الوهم والتذكر قوى غير مبدعة مقارنة بالمتخيّلة.

رابعاً: نقاط الاختلاف

الطبيعة الميتافيزيقية للخيال

·         كولريدج: يمنح الخيال الأوّلي صفة «الخَلق»، ويجعله امتداداً للقدرة الإلهية.

·         العرب  : (الجاحظ وابن سينا) لا يرون الخيال خَلْقاً، بل إعادة تشكيل للصور.

البنية النظرية

·         كولريدج ينطلق من فلسفة رومانتيكية تجعل الخيال أساس الوعي.

·         ابن سينا ينطلق من نظرية النفس الأرسطية—الأفلاطونية، حيث الخيال إحدى القوى النفسية.

·         الجاحظ ينطلق من بلاغة عربية لا تهتم ببناء نظام فلسفي للخيال.

وظيفة الخيال

·         كولريدج: وظيفة معرفية وأنطولوجية وجمالية.

·         ابن سينا: وظيفة معرفية بالأساس (وسيط بين الحس والعقل).

·         الجاحظ: وظيفة بلاغية وفنية.

التمييز بين الدرجات

·         كولريدج يقدّم تمييزاً صارماً: خيال أوّلي / ثانوي / استدعاء.

·         ابن سينا يقدّم درجات مختلفة للقوى النفسية، لكنه لا يضع «خيالاً خلاقاً».

·         الجاحظ لا يقسّم الخيال، بل ينظر إليه كقدرة عامة في البيان.

خامساً: خلاصة مقارِنة

     يمكن القول إنّ كولريدج يقدّم تصوراً يجمع بين الفلسفة والجماليات، يجعل الخيال مركزاً للإبداع والوعي. أمّا ابن سينا فيقدّم تصوراً عقلياً-نفسياً يجعل الخيال وسيطاً معرفياً ضرورياً. في حين ينظر الجاحظ إلى الخيال من زاوية البلاغة العربية بوصفه أداة للتصوير والتأثير.وبذلك يتّضح أنّ الخيال عند كولريدج مبدأ خالق، وعند ابن سينا قوّة نفسية مركّبة، وعند الجاحظ طاقة بيانية تصويرية.

أولاً: الفارابي

– الخيال العقلاني المنظم للمعرفة

·         يرى الفارابي أن الخيال عقلاني، أي أنه قوة ذهنية تعمل على تنظيم الممكنات وربطها بالنظام الكلي للمعرفة.

·         الخيال عنده ليس أداة إبداعية بالمعنى الشعري فقط، بل وسيط معرفي يساعد العقل على تصور الحقائق الممكنة قبل إدراكها بالحس أو التجربة.

·         الوظيفة الجمالية محدودة، إذ تتركز على تنظيم التصورات وإضفاء الانسجام بين الصور الذهنية، وليس خلق صور جديدة تمامًا.

·         الخيال مرتبط بالمعرفة والفكر، ويخدم غايات عقلية وفلسفية أكثر من غايات فنية.

ثانياً: ابن عربي

– الخيال كأداة روحية وحسية

·         عند ابن عربي، يمثل الخيال أداة مزدوجة تجمع بين البُعد الحسي والبعد الروحي.

·         يمكن من خلاله فهم الحقائق الإلهية والكونية، أي أنه يعمل كوسيط بين العالم المادي والعالم الروحي.

·         الصور المتخيّلة ليست مجرد صور نفسية، بل إيحاءات روحية وجمالية تظهر في النصوص الصوفية والشعرية.

·         الخيال هنا يربط الحسي بالروحي، ويُعدّ جوهر التجربة الصوفية والإدراك الباطني.

ثالثاً: عبد القاهر الجرجاني

 – الخيال اللغوي والجمالي

·         الجرجاني ينظر إلى الخيال في نطاق اللغة والنص، فهو أداة لإنتاج المعنى والجمال الأدبي.

·         يستخدم الخيال لتفسير الإيحاءات اللغوية وتحليل الصور البيانية.

·         يرتبط الخيال بالبلاغة والتشكيل الفني للنص، أي أنه وظيفة جمالية معرفية لغوية، أكثر منه خلقًا ميتافيزيقيًا أو فلسفيًا.

·         يركز على دور الخيال في توحيد المعنى وتأثير النص على المتلقّي.

رابعاً: حازم القرطاجني

– الخيال والتحليل البلاغي

·         عند حازم، يُعد الخيال أداة عقلية ونقدية أكثر منها أداة إبداعية.

·         وظيفته الأساسية تحليل النصوص، ضبط الفصاحة، وحكم على دقة العبارة.

·         لا يسعى لخلق صور جديدة أو إنتاج وحدة جمالية، بل تقييم النص من منظور لغوي وبلاغي.

·         الخيال أداة مساعدة للعقل في فهم النصوص وتصنيف جمالياتها، أقل إبداعاً من الجرجاني وكولريدج.



[1]   Coleridge, Samuel Taylor. Biographia Literaria. Edited by James Engell and W. Jackson Bate, Princeton UP, 1983, pp. 202–204.

  كولريدج، صمويل تايلور. السيرة الأدبية. تحرير جيمس إنغل و دبليو. جاكسون بايت. مطبعة جامعة برنستون، 1983، صص 202–204.


مميزة