الساعة

البحث


قائمة المقاييس


‏إظهار الرسائل ذات التسميات النص الشعري الحديث. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات النص الشعري الحديث. إظهار كافة الرسائل

محاضرات السداسي الخامس مقياس النص الشعري الحديث والمعاصر






محاضرات السداسي الخامس
 مقياس النص الشعري الحديث والمعاصر









التكثيف اللغوي والفني في قصيدة النثر

 




التكثيف اللغوي والفني في قصيدة النثر

1.    معنى قصيدة النثر وصفتها:                         

        قصيدة النثر مقطوعة مفتوحة مستقلة لا تلتزم بقافية أو وزن،  فهي كلام غير مقفّى يعتمد على الصور الشعرية الفنية،  والبناء الموسيقي الداخلي،  تحتوي الكثير من الإيحاءات،  والصور الشعرية لتعوض انعدام الوزن في قصيدتها ، أطلق اسم قصيدة النثر يريد «التمييز بين  الشعر والوزن ، فالشعر مستقل بنفسه يمكن أن يكون منظوما أو منثورا ،  فالقصيدة يمكن أن تكون قصيدة نثر كما يمكن أن تكون قصيدة وزن ، وإن قصيدة النثر تأليف بين نقيضين لم يأتلفا من قبل،  وهما الشعر والنثر،  والشعر بأدواته التي يعتبرونها قيودا،  والنثر بتحرره .  وتتحكم فيها حساسية الفرد ، هي رواية مكثفة،  هي الشكل الطبيعي للإلهام،  بها اللغة الشعرية والوصف والإيقاع. »

2.   قصيدة تخالف القاعدة الشعرية:

        قصيدة النثر عمل لغوي فني متكامل رغم أنه خارج عن القاعدة،  تتجلى فيه مقدرة الأديب في الغوص بالألفاظ ، والتصوير الجديد للمعاني للوصول إلى تذوق اللغة وحصول المتعة الفنية في الإدراك العقلي.

  وفي قصيدة النثر نستمع إلى نثر «منظم إيقاعي يستخدم مثل الشعر لعبة متغيرة من النبرات والمؤثرات الصوتية كالتكرار والمتجانسات الصوتية والسجع لكن هذا النثر الموقّع المتميّز موضوع بدوره في مكان من سلم يتدرج من النثر إلى الشعر العروضي دون قطع في تنظيم شكلي له كيانه الفني»

3.   مشروع الكتابة الشعرية الجديدة:

تمتلك القصيدة الشعرية الجديدة دلالة شعرية يحدد فيها المبدع  مكان لغته،  إنه يدرك الواقع الموصوف ليعوضه بخطاب حي من مادته الخاصة،  «ينمحي الموضوع شيئا فشيئا أمام ما يصلح التعبير عنه،  ويتجلى الإبداع في مظهره الحقيقي حينما نسلم بأنه يعبر عن نفسه باللفظ،  ويوجهه مشروع في ذلك،  فاللفظ وحده هو الذي يعبئ الوسائل،  ويحدد التقنية،  ويحقق الأثر،  فالقصيدة مناطق سطحية تنظم فيها أصوات الألفاظ،  فهي تتكون من أنوية متراصة،  ومراحل عليا لخطاب يخلق الحركة التي تكسبه الحياة،  هذه الأنوية والقطع المتقنة،  ولحظات الكثافة اللفظية،  تستدعي جميعها استعمال ثراء لغوي بارع،  وتعبئ صنافة من الوسائل الأسلوبية»

4.   التنامي الداخلي في قصيدة النثر:

     يرى الدارسون أنّ قصيدة النثر «بنية حية وبناء متكامل،  وعمل فكري وشعوري متكامل ومتنامي،  وليست خواطر مبعثرة أو أفكاراً متفرّقة،  تتشكل من مقاطع،  وتنقسم المقاطع إلى وحدات صغرى تسمى أبياتاً،  وكلّ بيت يستكمل ما قبله،  وهو مقدّمة لما بعده،  وهي تجسّد بذلك إحساساً متّصلاً،  وفكراً مترابطاً،  وأبرز سمات قصيدة النثر الانسجام والتوازن،  ووظيفية الأعضاء،  والتنامي الداخلي،  ووحدة المناخ والشعور والموضوع والرؤيا،  وهو ما يطلق عليه بالوحدة العضوية، لكن القصيدة لا تتقدم نحو غاية أو هدف كالقصة والرواية والمسرح أو المقالة بل تعرض نفسها ككتلة لا زمنية، ففيها الإشارات والإيماءات،  والإلهامات،  والتلميحات التي تؤثر في فكر القارئ إلى حد التقبل والرّضى. »

5.   ظاهرة التكرار في قصيدة النثر:

   لم يكن استخدام أسلوب التكرار مقصورا على شعر الأدب العربي بل عرفته أشعار كثيرة ،  فقد تميّز به «شعر كبار شعراء الانجليزية بدءا من “شكسبير” وحتى “إليوت” ، فعدوا التكرار في بعض صوره لونا من ألوان التجديد في الشعر،  ويحتوي أسلوب التكرار على كل ما يتضمنه أي أسلوب آخر من إمكانيات تعبيرية ، والقاعدة الأولية في التكرار أن اللفظ المكرر ينبغي أن يكون وثيق الصلة  بالمعنى العام ، وإلا كان لفظة متكلفة لا سبيل إلى قبولها إلا إذا بررت وجودها بجماليات خاصة ،  كما أنه لابد أن يخضع له الشعر عموما من قواعد ذوقيه وجمالية وبيانية ، فليس من المقبول مثلا أن يكرر الشاعر لفظا ضعيف الارتباط بما حوله ، أو لفظا ينفر منه السامع إلا إذا كان لغرض يتعلق بهيكل القصيدة العام،  فالتكرار يكشف عن اهتمام المتكلم بما كرر ،   وله دلالة نفسية لدراسة الأثر ، وتحليل نفسية كاتبه،  ويسعى التكرار إلى أن يكون الموضوع حاضرا في ذهن القارئ ،  وقد استمده الشعر الحديث من أصول فن الموسيقى ، وعلم الجمال الحديث ، فيعتمد الشعراء  تكرار أجزاء القصيدة ، ويتخذون من هذا التكرار مادة فاعلة في بنية القصيدة ،  والتكرار إما تكرار دلالة أو تكرار بنية . »

·        تكرار النّمط النحوي:  ويقصد به «تركيب لغوي يتكرر بوزنه لا بلفظه غالبا وقد سمّاه الدارسون القدماء بأسماء مختلفة،  فسموه “حسن التقسيم والترصيع والازدواج،  ولا يشترط أن يكون الحرف الأخير في كل تركيب مكرر واحدا،  ويكفي اتساق الفواصل لأجل الإيقاع،  وفي هذه الظاهرة اللغوية شواهد من الشعر العربي والقرآن الكريم والحديث الشريف،  وهو لون إيقاعي محبّب إلى نفس العربي.

6.    ظاهرة الحشد اللفظي في قصيدة النثر:

      الحشد في اللغة الاجتماع ، وفي الشعر هو « مجموعة من المقدمات المتتالية التي هدفها التوصل إلى نتيجة ما ويكون في القصيدة الحديثة على هيئة مبررات متلاحقة ،  أو مجموعة من الجمل الإخبارية التي تنتهي بنتيجة إما تراتبية وإمّا مبنية حسب مقدمات ، وهي نتيجة منطقية لتلك المقدمات أو انقلابية ، والنتيجة الانقلابية هي تلك النتيجة التي تأتي على خلاف التوقعات بشكل غير محتمل منطقيا بالنظر إلى المقدمات المطروحة ، ففي حالة الحشد الترابي تكثر في القصيدة أو المقطع الدوال المترابطة بنائيا أو معجميا أو نفسيا،  وهذا الترابط يفرض سلطته على كل أجزاء المنطقة المحتشدة ، سواء أكانت سلطته هذه سلطة نحوية أو غير نحوية»

7.   التراكم في قصيدة النثر:

     التراكم هو «القيمة البلاغية والمظهر الجمالي للخبرة التاريخية للمبدع ،  ولكي ندرك مفهوم التراكم ودور الخبرة فيه على المستويين الإنتاجي والجمالي ،  يجب أن نحدد القيمة الإبداعية للخبرة ودورها في نتاج المبدع،  فللخبرة الإنسانية  مجموعة من الأسس النفسية التي ترافق المراحل الخبرية ،  منذ بداية وعي الإنسان بالتجربة غير أنّ بعض هذه الأسس يبقى في الظل هامشا غير جدير بالاهتمام ، لكنه يملك دور المحفز والمساند لخبرات إنسانية تتصدى لاحتلال بؤرة الفعل الإبداعي عند تجربة استخدام مخزون هذه الخبرة ،  فتطفو إلى سطح الصدارة أسس نفسية فعّالة ومؤثرة في المعرفة والإدراك وبلورة الأفكار ، وهذه المرحلة التي يتحكم فيها الإطار الاجتماعي للفرد وظروف هذه البيئة مناخيا وجغرافيا ، بل ووضع الفرد الانتسابي والعائلي في هذا المجتمع المحيط به ، ثم  تندرج تلك الخبرات حتى يكتنزها صاحبها للاتجاه في طريق محدد ،  هذا الطريق هو الذي يحدد قيمة الخبرات المكتسبة ويميز بين الجوهري الأساسي منها والهاشمي،  فتصير لدى الفرد خبرات تخصيصية،  وبقدر تغلغل هاتين المرحلتين في نفس الإنسان  منذ  البدء يكون حجم الإبداع وقيمته،  وتتجنب القصيدة الاستطرادات والإيضاح والشروح وكل ما يقودها إلي الأنواع النثرية الأخرى. »

      فقد حلّت ظروف اجتماعية بالمجتمع العربي جعلت شبابه يحس ويتأثر،  ويعبر عن هذا الإحساس بما يراه مناسبا،  فابتدع قصيدة النثر لأنه يعيش الحرية،  ويعيش التحرر من قيود القديم،  وفي الوقت نفسه يحاول المبدع أن يجمع ما أمكن من أجزاء الصور النفسية والفكرية في مجتمع الحداثة انطلاقا من خبرته المعقّدة،  فهذا أنسي الحاج يقول مكثّفا:

«صِرنا نفتّش عما نقول،  حتى بعد حين نصير مرتبطين

وكلّما تنفّسنا خنقَتنا الكلمات

قريبا يكون الذين آلمتهم بعيدين لا أقدر أن أشرح لهمْ

وسَوف أسْهر على وجهي.

صَنعت حربي فكم أود أن أصنع سَلامي.

أفظَع ما شاهدت في عيونهم عصافير هاربة تعني أني خيّبتهم

صَنعت شوقي فكيف أوصل حبّي

صَنعت حبي فكيف أعطي عطائي»

8.   تلاشي الفكرة في القصيدة:

       ظاهرة التلاشي هي الوجه العكسي للتراكم اللفظي ، ومعنى التلاشي «أن يأتي المبدع في النص بمتشابهات في الجذر أو في الصياغة أو في الفكرة ، لكنّه بعد ذلك يتخلص من تلك المتراكمات تدريجيا ليعود مرة أخرى إلى البسيط الذي منه بدأ ، أو ربما ليتلاشى كلية »   ولعلّ أبرز مثال على هذا ما نجده في قول محمد عفيفي مطر:

«غموضُ دمِ هاربِ يتقلّب في صفحةِ الوجه،

يخبو وينبضُ،

خيطانُ من طائف الشّك يشتبكان

التواريخ تمحُو التواريخ

نمْل من الذِّكَر الباهَتة

يُدحرج ما لم يكن في ترابِ الذي ربّما كان،

كوب من الشاي يطفو على سطْحه ورق “العطر”

…وصيْد الكلام يفرّ ويدنُو

وأنت تفتّش في نبْرة الصّوت

.. بين عمَاء دم، وترى طائف الشكّ.»

فقد تلاشت فكرة “النمل “مع “الدم” المتحرك، ليعود إلى الفكرة المعنى وهي الشك والغموض.

9.   الغموض في قصيدة النثر:

     الغموض في اللغة «ضد الوضوح ، والغموض والغامض المطمئن المنخفض من الأرض ، وقد غَمض المكان أي خفي ، وكل ما لم يتّجه إليك من الأمور فقد غمض عليك،   والغامض من الكلام خلاف الواضح وأغمض النظر إذا أحسن النظر أو جاء برأي جيد وأغمض في الرأي وأصاب» ، وقد عُني النقاد العرب بدراسة الغموض عناية فائقة  محاولين الكشف عن طبيعته ، ودراستهم له أمر بالغ الأهمية لاسيما أن الدراسات الحديثة للنقد تستهدي بما خلفوه لنا من توجيهات لا يمكن إغفالها ، «وقد ظهر الغموض بوصفه ظاهرة  فنية بنائية في صورة ثورة ضد الجمود والنمطية المعهودين وقتئذ ،  فقد مرت اللغة العربية في العصر العباسي بمرحلة النمطية ومن هنا رأى النقاد في الشاعر أبي تمام ( ت 231ه) خارجا على المألوف من أصول الشعر ، وعلى الرغم  من أننا نقرأ شعره الآن فلا نجد ما كانوا يقولون ،  فقد وجدوا في ذلك الوقت أن في شعره انزياحا لغويا غريبا،  لأن النمط الشعوري العام ينحصر فيما رسمته العادة.»

     و تدعو فلسفة بناء القصيدة الحديثة إلى «الغموض وعدم التجلي وإلى الرؤيا والحلم،  فلا تحديد لموضوع وغرض القصيدة الواحدة،  بل يعمد الشاعر إلى الإخفاء،  ثم إن المعاني الجزئية والمضمون من منطوق ومفهوم للتركيب لا ضابط لها، ولا قبض عليها، إنما القصيدة سراب يُغري بالجري فيهلك الإنسان قبل أن يرتوي، وذلك أن الشاعر يرى أن داعي الغموض هو ما تتسم به  القصيدة من البعد المعرفي، ففلسفته تقوم على تحطيم اللغة ومدلولاتها ومعيارية النحو، وتفريغ اللفظة والتراكيب مما تحمله من دلالات متتابعة عبر العصور،  فلا يصرح أو يبوح اللفظ أو التركيب بشيء حسي أو معنوي، فالمعرفة تحصل من الشيء العقلي الذهني الثابت، وقد يتأتى الغموض من تكاثف العناصر الفنية التي تغلب على تكوين النص الفني، من حيث الألفاظ ودلالاتها وإيحاؤها الموسيقي،  والتصويري، بعيدا عن أسلوب المحاكاة  لتجنب عقد مشابهة توجيهية تقريرية، حيث يعتمد الشاعر على النسيج البنائي للقصيدة وما به من تفاعلات داخل ألفاظها ، وقدراتها على فتح مجاهيل التلويحات والإيماءات مما يعطي تخصبا في عملية الإدراك.»  يقول محمد الماغوط إذ أغمض في الفكرة وأصاب:

«معلّقا تعاستي في مسَامير الحَائط

غارسَا عيني في الشّرفات البعيدةِ

والأنْهار العَائدة من الأسْر

رأيتُهم جميعا تحت السّماء الصفراءِ

أغنياء ومسالمينْ

فقراء ووحوشْ

ملايين الأسنان تصطَدم في الشارعِ.»

10.      حركية الصورة وأسلوبية التّخييل:

     تزخر قصيدة النثر «بعنصر التوتّر القائم على الهدم وعدم التقيد بسياق مرجعي محدد، فتحررت بذلك الصورة الشعرية من كل إطار مسبق في القصيدة التقليدية ومالت إلى الاهتمام بالتكثيف والانزياحات البعيدة، ولعبت لعبة الغموض الدلالي، ووقعت خارج التصوّر المألوف وهدمت الواقع بالتخيّل، فجرت فيها اللغة الشعرية لتضفي على الصور نوعا من الإشراق والتجلي، وتكسب الإيقاع ضربا من التدفق والفيض.» ففي هذا يقول محمد الماغوط:

«مخْذول أنا لا أهْل ولا حبيَبه

أتسكّع كالضّباب المتلاشِي

كمدينة تحترِق في اللّيل

والحنين يلسَع منكبَي الهزِيلين

كالرّياح الجمِيلة، والغبَار الأعْمى

فالطّريق طويلَة

والغَابة تبتعد كالرّمحِ

مُدّي ذراعيك يا أمّي. »

11.      الخاتمة:

  قصيدة النثر عمل لغوي فني متكامل رغم أنه خارج عن القاعدة، تتجلى فيه مقدرة الأديب في الغوص بالألفاظ، والتصوير الجديد للمعاني للوصول إلى تذوق اللغة، وحصول المتعة الفنية في الإدراك العقلي.  كما في قصائد “محمد الماغوط”.

في قصيدة النثر قطعا متقنة، ولحظات الكثافة اللفظية، تستدعي جميعها استعمال ثراء لغوي بارع، وتعبئ صنافة من الوسائل الأسلوبية كما في قصائد “محمد عفيفي مطر”.

في قصيدة النثر اتصال الأسطر الشعرية واتحادها، وتنامي الصورة لدى المتكلم. كما في قصائد “أنسي الحاج”.

شعراء التفعيلة يهتمون بالتكثيف والانزياحات البعيدة، ولعبة الغموض الدلالي، والخروج عن التصوّر المألوف وتهديم الواقع بالتخيّل.

  ومهما يكن فقد تجلت شعرية قصيدة النثر في التكرار تكرار الدلالة أو تكرار البنية، والتكرار النحوي الذي هو تركيب لغوي يتكرر بوزنه لا بلفظه غالبا، وفي ظاهرة الحشد اللفظي، وفي ظاهرة التكثيف والتراكم بفعل الخبرة المكتسبة لدى المبدع، وظاهرة التلاشي في أفكار القصيدة، وظاهرة الغموض بوصفه ظاهرة فينة بنائية، وعدم التجلي والرؤيا والحلم.

 

(أحمد راجع )



التحميل من هنا





النزعة الدرامية في الشعر العربي الحديث والمعاصر

 



النزعة الدرامية في الشعر العربي الحديث والمعاصر

1.    مقدمة :

      تتجه القصيدة العربية الحديثة نحو الدرامية, سواء في مضمونها النفسي والشعوري والفكري أو في بنائها الفني, والدراما المقصودة هنا ليست بالمعنى المسرحي, وإنما بالمعنى العام, وقد فسرها عز الدين إسماعيل بأنها(تعني ببساطة وإيجاز الصراع في أي شكل من أشكاله) وتعبر بذلك عن حركة الحياة وطبيعتها, فالقصيدة المعاصرة إذن لم تعد تتكئ على التقاليد الشعرية الموروثة, وإنما انطلقت إلى الفنون الأخرى تستعير من أدواتها وتكنيكاتها الفنية ما يساعد على تجسيد الرؤية الشعرية الحديثة بما فيها من تركيب وتعقيد .

     ومن أبرز سمات التفكير الدرامي أنه تفكير موضوعي, حتى عندما يكون المعبر عنه موقفا أو شعورا ذاتيا صرفا, وإلى جانب خاصيتي الحركة والموضوعية اللتين تميزان التفكير الدرامي, هناك خاصية أساسية لهذا التفكير هي خاصية التجسيد, لأن الدراما لا تتمثل في المعنى أو المغزى وإنما تتجسد الأفكار في محسوسات تتجلى فيها الحركة.

       لقد أخذ الشعر العربي يتطور في القرن العشرين تطورا ملحوظا نحو الدرامية, ليس المقصود من ذلك كتابة الأعمال الدرامية الشعرية  كالمسرحيات وإنما يقصد تطور القصيدة العربية من الغنائية الصرف إلى التوجهات الدرامية, التي تعكس لنا مجموعة من الأصوات ووجهات النظر, والصراع, وذلك من خلال توظيف أساليب مختلفة ومتنوعة, أبرزها: توظيف العناصر المسرحية (الشخصيات والزمان والمكان والأحداث والراوي), والحوار الداخلي والخارجي, وتنوع الأصوات والضمائر والأفعال, من هنا نجد القصيدة الحديثة تنأى عن الطابع الغنائي القائم على تصوير مشاعر ذاتية أحادية, وتقترب في المقابل من الطابع الدرامي القائم على تصوير صراع بين اتجاهات متصارعة, بحيث يكشف لنا هذا الصراع عن طبيعة الحياة المركبة والمنطوية على كثير من التناقضات.

2.    العناصر البناء الدرامي :

·         الحوار الخارجي:

-       الحوار هو حديث يدور بين شخصين أو أكثر في العمل الدرامي, وتفرضه طبيعة الموقف والحدث, وهو يصور صراعا بين إرادتين أو أكثر تعكس مواقف الأشخاص من الإنسان والطبيعة والكون, بما يمكن أن تمثله من أفعال وردود أفعال يتولد فيها الشيء من نقيضه داخل الحركة الدرامية.

-       الحوار شكل من أشكال البناء الشعري تخرج به القصيدة من غنائيتها الذاتية, وفق ما يقتضيه موضوع التجربة الوجدانية لإغناء التجربة وإبراز جوانب الصراع الحياتي في شتى المجالات من أجل (تجسيد حركة الواقع الإنساني المادي والذهني تجسيدا حيا).

      لقد استخدم سميح القاسم هذا الجانب الدرامي في تنويعاته الشعرية المختلفة, للإفادة من الطاقات التعبيرية التي يمنحها هذا البناء للتجربة الشعرية, ويزيدها ثراء دلاليا, وكثافة تعبيرية شديدة, حيث يكون الحوار مكثفا( فالكلمة في القصيدة من الممكن أن تعادل صفحات في القصة لذلك يلجأ الشاعر في قصيدته إلى التلخيص والتكثيف في نفس الوقت بحيث تكون لكل لفظة دلالتها) و بحيث تختزن الكلمات المعاني وتختزن المدلولات الكبيرة في عدد قليل من الدوال التعبيرية.يقول في قصيدة (غرفة التحقيق):

- اسمك؟

   - أيهم تريد؟

الأول, الثالث, أم هذا الذي يحمله

باسبورتي الجديد؟

- عمرك؟

     - موتان ربيعيان

وليلة تضمر لي أخرى.

أو النهار

      يتجسد الحوار في النص في صوتين داخل القصيدة يجليان طبيعة كل من المتحدث فيهما, بحيث تبرز بشكل تلقائي شخصية التحدي لدى الشاعر المصمم كنموذج فلسطيني على الاستهانة بجلاديه, مما يتناسب مع موقف الشاعر الثوري , فشخصية المحقق هنا تبرز الجانب الروتيني التمهيدي لعملية تحقيق أشمل وأعنف لم تبرزها القصيدة.

   أما في قصيدة(ثرثرة في الشارع الطويل ) لبلند الحيدري فيكشف الحوار عن أزمة وجودية خانقة تضغط على الإنسان , وتجعل مقومات وجودة نوعا من العبث واللعب بمصائر البشر, فيقول:

أمؤلم أن تلبس الحذاء كل يوم..؟

- أجل... أجل, أكره أن أنزعه

أكره أن ألبسه

أكرهه, لولاه ما كانت لنا

غير مسافات الرؤى في النوم

لولاه لم نسأل

ولم نرحل

ولم نكن لغير أمسنا البخيل

تكرهه.....؟!

- أجل ... أجل, أبصقها بلا وجل

لولاه ما كان لنا في الشارع الطويل

الرعب

والضياع

والمدينة القتيل

·         الحوار الداخلي:

-        يلعب المونولوج دورا مهما في الدراما الشعرية , نتعرف من خلاله ملامح الشخصية وأفكارها ومشاعرها الداخلية. فهو يكشف مستبطنات الشعور التي يحاول الشاعر أن يظهرها في قصائده مسقطا إياها على لسان الحال متلبسا في شخص قناع/هاجس , يظهر لنا ما يدور بين شخصه الظاهر وشخص نفسه المكنونة في داخله بحيث تبرز لنا أجوء الصراع بين الشعور واللاشعور بشكل كثيف معبر. فعندما يريد الشاعر التعبير عن أفكاره وعواطفه بأسلوب فني فإنه يعمد إلى تكثيف الصورة وتركيبها والتحدث إلى الجمهور من خلال قناع وهمي يغير شكله وصوته , فلا يعود ــ بالنسبة للمتلقي ــ الشاعر نفسه بل يتجسد أمامه من خلال شخصية خيالية.

-       وقد يكون الحوار همسا ذاتيا لا يبرز الحوار مع شخص آخر غير صوت الضمير للإنساني للشاعر وشخصيته الداخلية التي تختفي وراء قناع الذات الجسمانية الخارجية و يميز الشاعر هذه الأصوات أحيانا بالأقواس أو بتغيير حجم الخط وشكله للفت النظر إلى هذا الصوت الداخلي النابع من ثنايا النفس, بحيث يتمكن المتلقي من تمييزه بسهولة, وهذا الصوت المميز يثري دلالة النص ويفتح آفاقه على العديد من إمكانيات التأويل والاستنتاج, ويثير انتباه المتلقي من خلال تغير الأصوات الداخلية في ثنايا القصيدة. يبرز الحوار الداخلي في قصيدة(اغتيال) لأحمد معطي حجازي فيقول:

من أنا حقا ؟

ترى هل كان عدلا

أنني لم أعطه رد السؤال

لو لم ندخل شريكين معا

هل كان من حقي في هذا النزال

أن أرى وجه غريمي

دون أن أجعله يشهد وجهي؟!

           يبدأ الشاعر الفقرة بتوجيه سؤال إلى نفسه في حوار داخلي (من أنا حقا؟)والسؤال هنا سؤال استنكاري,وكأن الشاعر ينكر على نفسه هذا الأسلوب أو هذا الفعل (القتل),  فهل من العدل أنه لم يعطه رد السؤال , يعود هنا الصراع مرة أخرى ــ الصراع بين الذات الخارجية والذات الداخلية ـــ أليس من حق القتيل أن يعرف من قاتله؟ .

 ويقول فاروق جويدة في قصيدة(لا تنتظر أحدا فلن يأتي أحد):

لا تنتظر أحدا...

فلن يأتي أحد

لم يبق شيء غير صوت الريح

والسيف الكسيح...

ووجه حلم يرتعد 

·         القناع الدرامي:

-       هو وسيلة درامية استخدمها الشعراء للتخفيف من حدة الغنائية والمباشرة في القصيدة الغنائية, وهو تقنية جديدة لخلق موقف درامي يضفي على صوت الشاعر نبرة موضوعية من خلال شخصية يستعيرها من التراث أو الواقع, ليتحدث من خلالها على تجربة معاصرة بضمير مفرد المتكلم (أنا) إلى درجة أن القارئ لا يستطيع أن يفصل صوت الشاعر عن صوت هذه الشخصية, ويصبح الصوت النصي مزيجا من تفاعل صوتين تفاعلا عضويا, إلا حين يميل الصوت إلى القرائن النصية لتذكير المتلقي بأن النص يشير إلى تجربة معاصرة, ولذلك يكون القناع وسيطا بين النص والقارئ, وهو وسيط فيه من الماضي بصوت الحاضر, وصوت الحاضر بصوت الماضي, كما يندمج الذاتي بالموضوعي, والموضوعي بالذاتي للتعبير عن تجربة معاصرة وإن كان الصوت النصي يميل إلى هذا الزمن أو ذاك, وإلى تجربة الشاعر أو تجربة الشخصية المستعارة حسب القرائن التي يقدمها كل نص على حدة.

-        وإذ كانت بنية قصيدة القناع مركبة من صوتين(الشاعر/ الشخصية)في زمنين (الحاضر /الماضي),فإن الصوت النصي يتضمن عناصر وصفات من هذا الصوت وذاك من دون أن يتطابق مع أي منهما بالضرورة تطابقا نهائيا, لأن ذلك يعني إلغاء أحد الصوتين وأحد الزمنين, وهذا يعني إلغاء أحدهما لمصلحة الآخر, وهذا عيب فني قاتل  يلغي الهدف من استخدام القناع الذي يكون أقرب إلى هذا الطرف أو ذاك, فالقرب شيء والتطابق شيء آخر, ولذلك كان القناع وسيلة تناصية أو حيلة بلاغية أو رمزا لتحويل القصيدة من المباشرة إلى اللامباشرة, مع أن الهدف من استخدام هذه الوسيلة لابد من أن يظل واضحا لدى القارئ, وهو الحديث عن تجربة معاصرة يعيشها الشاعر، ولذلك يجنح الشاعر إلى الاستفادة تناصيا من تجربة أو حدث أو موقف أو رؤيا في الماضي اتصف بها صاحب القناع, ليعيدها إلى الأذهان ضمن تجربة جديدة مماثلة أو معادل موضوعي, يمثل القناع شخصية تاريخية؛ صوفيا مثل الحلاج والغزالي؛ خليفة أو حاكما مثل عمر بن الخطاب وصقر قريش؛ شاعرا مثل أبي نواس والمتنبي وأبي العلاء ؛ نموذجا من النماذج العليا المتكررة في الأساطير والقصص الشعبي مثل برومثيوس وأدونيس وعشتار,أو السندباد), فالقناع من هذه الزاوية استعارة بعلاقة تفاعل بين الطرفين الحاضر في السياق والطرف الغائب الذي لا تكف فاعليته .

-       كثيرا ما يلاحظ توظيف القناع عند أمل دنقل فهو ينوع المشارب التي يستقي منها شخصياته,السياسية والدينية والفلكلورية والأدبية كتوظيف المسيح عليه السلام للقناع الديني , وسبارتكوس للقناع التاريخي , وعنترة للقناع الفلكلوري /الأسطوري, والمتنبي للقناع الأدبي. يقول في قصيدة (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة):

أيتها العرافة المقدسة..

جئت إليك... مثخنا بالطعنات والدماء

أزحف في معاطف القتلى , فوق الجثث المكدسة

منكسر السيف , مغبر الجبين والأعضاء

أسأل يا زرقاء..

عن فمك الياقوت عن نبوءة العذراء

عن ساعدي المقطوع .. وهو ما يزال ممسكا بالراية المنكسة

عن صور الأطفال في الخوذات ..ملقاة في الصحراء

عن الفم المحشو بالرمال والدماء؟!!

      لقد تداخل صوت الشاعر في بداية القصيدة مع صوت الجندي الذي عانى مصائب الحرب , وعاد يشكو لزرقاء اليمامة, ثم تحول هذا الجندي الزاحف فوق الجثث المتراكمة إلى عنترة, أو توحد معه ليربط بين الماضي والحاضر في نسيج القصيدة وبنيتها ليؤكد على اسمرار الطبقية البغيضة وجنايتها على حياة الأمة من منظور اجتماعي, ويبوح بأسرار نكسة حزيران .

·         الحدث:

-        يعد الحدث من عناصر البناء الدرامي في القصيدة المتكاملة, وهو الحركة الداخلية في العمل الفني, وقد أولى أرسطو الحدث قديما أهمية خاصة, فهو عنده جوهر البناء الدرامي والفعل التام, له بداية ووسط ونهاية, ولا تنشأ وحدة الحدث عن كون موضوعها شخصا واحدا, لأن الشخص الواحد ينجز أفعالا لا تكون فعلا واحدا, ويختلف الشعر عن التاريخ في أنه لا يروي الأحداث التي وقعت, وإنما يروي الأحداث التي يمكن أن تقع, ولكن الحدث أخذ يتراجع أمام الشخصية في الدراما الحديثة, وأصبح في بعض الأعمال الفنية وسيلة للكشف عن خواصها, وكان لمعطيات الشخصية دور في تكون الحدث وتصاعده ونهايته, فإرادة الشخصية وصفاتها وطبائعها توجه الحدث, والحدث عند أرسطو بسيط أو مركب؛ فالحدث البسيط يعتمد حكاية واحدة, ويقوم الحدث المركب على حكاية رئيسية تغذيها حكاية فرعية أو أكثر.

-       للصراع علاقة بالحدث, فإذا كان الصراع هو العمود الفقري للعمل الفني فإنه لا وجود للحدث دون الصراع, لأنه الحركة الداخلية التي  تتقارب وتتباعد فيها الإرادتان, لتدفع الحدث إلى تصاعده في لحظات من التوتر الدرامي.

-       العمل الدرامي يتشكل بالحدث والصراع والحركة, وهي أركان يستند بعضها إلى بعض ويختلف رسم الحدث في القصيدة المتكاملة عنه في المسرحية الشعرية , فالشاعر يرسم الحدث بوساطة العناصر الغنائية, والعواطف الموسيقية, والصور الإيقاعية والحركة الدرامية, ويحاول أن يرفع الحدث إلى الشعر أكثر مما يفعل الشاعر المسرحي الذي يسعى إلى المواءمة بين الشعر والمسرح.

-       الحث هو المادة الفعلية لتشكيل الزمن, وهو واحد من العناصر الحيوية التي تشكل مركز البنية السردية ومركزيته, تأتي من جانب توليده للعناصر الأخرى واشتباكه العضوي معها, وهو أيضا المادة الفعلية التي تدور على مسرح المكان والكفيلة بإظهار الشخصيات ونموها وبيان مصائرها, إن مجال الأحداث مجال واسع يشمل (الحكاية) وما تنتجه من وقائع, ويشمل أفعال الشخصيات وصراعها, وسيرها التي يبثها السرد.

    ونظم سعدي يوسف قصيدة (ميت في 'بلد سلامة'), حيث يصف فيها حادثة مقتل رجل يدعى عبد الله , ويبدأ الشاعر سعدي القصيدة بالحدث الأخير , وهو موت عبد الله, ثم يصف سكان البلدة الأحياء الذين هم مثل الأموات في هذا البلد:

كان الظلام يكفن الضوء الأخير

وتلوح أحداق الفوانيس العتيقة مُطْفَآت

      لا صوت..لا إنسان..

        صمت كالصلاة

       والليل يلتهم الحياة

  من قلب عبد الله وهو يموت في بلد السلامة

ملقى يموت, مهمش الأضلاع, تغمره الدماء

والأرض تشرب, والنجوم

حمراء واسعة . وعبد الله مات

          يبدأ الشاعر بوصف زمان جريمة قتل عبد الله ومكانها ,فالظلام يسيطر على كل شيء, لا ضوء ولا صوت, المكان خال من البشر حتى الفوانيس مطفأة والصمت يلف المكان, ووسط كل هذا الصمت والظلام هناك عبد الله مهشمة أضلاعه , وغارق في دمه , والأرض ترتوي من هذه الدماء, وقد اختار الشاعر اللون الأحمر ليتناسب مع واقع الجريمة, وهنا انتهى الشاعر من النقطة التي بدأ منها وهو موت عبد الله , وقد بنى الحدث على نسق دائري يقوم على العودة من النقطة التي بدأ منها .

( منقول بتصرف )


التحميل من هنا



التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث والمعاصر

 

للفنان فاسيلي كاندينسكي ، 1923م.


التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث والمعاصر

  تمهيد :    

   لقد فتحت قصيدة التفعيلة آفاقا جديدة للشعر العربي خاصة وأن( الكتابة التحريرية للقصيدة الشعرية, قد حركت الكلمات المسموعة من عالم الصوت المجرد إلى عالم الرؤية البصرية المجسمة أو المجردة, ومن ثم بدأ القراء التعود على التقاط أحاسيسهم عبر التحرير الشكلي للنص مع كيفية القراءة بالإضافة إلى المضمون).

     واحتل التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث مكانة بارزة خصوصا في الشعر الحر, الذي أعطى للشاعر الحرية المطلقة في تقنية الكتابة الشعرية, نتيجة تخلصه من قيود الشعر العربي القديم, مما أتاح له استثمار الطاقات الفنية المتاحة في لغة الكتابة الشعرية, الأمر الذي أسهم في  تقديمه وحمل رسالته وخدمة تجربته,وزادت أهمية التشكيل البصري في لغة الشعر الحر تقنيات الكتابة (الشكل الطباعي) التي تطورت عما كانت عليه في السابق, ولما يهيئه الشعر الحر من فرصة لاستغلال شكل النص ومدلولاته المختلفة.

     ونعني بالتشكيل البصري الصورة البصرية للنص الشعري المطبوع بشكل معين فوق بياض الورقة , يخرج على معايير شكل الكتابة النثرية الاعتيادية, ويسهم في صنع الجانب الشعري من البعد البصري للنص, فضلا عن تدعيمه للدلالة البصرية وزيادة قدراته التأثيرية في المتلقي.

1.البياض والسواد والشكل المتموج:

     يهتم الأديب المعاصر بطريقة الكتابة نوع ترتيبه للأبيات بقدر ما يهتم للكتابة نفسها, لذلك نلاحظ صراعا بين الكتابة والفضاء المحيط بها, وهذا يدل على الصراع القائم  بين نفسية الشاعر والعالم بشكل عام, والعتبات التي تحيط النص من الفضاء الخارجي للنص وما فيها من العلامات والإشارات التي تزيد من المفاهيم والمعاني بحيث يستلذ القارئ بها ويصيب فوائد كثيرة(يعد تشكيل الفراغ المكاني جزءا لا يتجزأ من إيقاع القصيدة التكويني إذ هو مستوى إيقاعي يفصح عن حركة الذات الداخلية , ويتسم بالصراع بين ما تمثله الكتابة (المساحة السوداء المحبرة ) وما يمثله الفراغ (مساحة البياض) وهذا الصراع لا يمكن أن يكون إلا انعكاسا مباشرا أو غير مباشر للصراع الداخلي الذي يعانيه الشاعر, فيقيم حوارا بين الكتابة والبياض, مستنطقا الفراغ ومساحته الصامتة بحث تعبر عن نفسية الشاعر المندفعة أو الهادئة على المستوى البصري, ويترك المكان النصي ببياضه الصمت متكلما ويحيل الفراغ إلى كتابة أخرى أساسها المحو الذي يكثف إيقاع كل من المكتوب المثبت والمكتوب الممحي), وفي هذا السياق يمكن أن ندرج المثال التالي لبدر شاكر السياب في قصيدة جيكور:

جيكور ماذا ...؟ أنمشي نحن في الزمن

أم إنه الماشي

ونحن فيه وقوف؟

                 أين أوله

وأين آخره؟

       هل مر أطوله...

           ما يلاحظ في هذه الأسطر هو اضطراب في الكتابة وهذا يعكس نفسية الشاعر المضطربة, التي لم تقو على استيعاب هذا الزمن, وقد تجلى ذلك من خلال التساؤلات القلقة المشبعة بالحيرة والمصير المجهول, ولعل تسارع رقعة البياض وانحسار رقعة السواد دلالة على عدم العثور على الإجابة الشافية.  ويقول في موضع آخر:

وجيكور خضراء

مس الأصيل

ذرى النخيل فيها

ودربي إليها كومض البروق,

بدا واختفى ثم عاد الضياء فأذكاه حتى أنار المدينة

وعرَّى يدي من وراء الضماد كأن الجراحات فيها حروق

جيكور من دونها قام سور      

                     وبوابة

                 واحتوتها سكينة

       يتضح من شكل الكتابة الشعرية أن الشاعر (السياب) وزع أسطره الشعرية توزيعا طباعيا غير متساو من حيث الطول, أي أن جغرافية الكتابة لهذا المقطع الشعري متفاوتة إضافة إلى عدم إتمام السطر الشعري من حيث المبنى والمعنى والإيقاع , وهو بذلك يستثير حاسة البصر لدى القارئ ويحفزها على التفاعل مع هذه الأشكال, وهذا بالطبع (إنما يخضع لإيقاع التجربة وهندسة الدلالة النفسية في حركتها الخفية والمتوترة المتراجعة إلى لحظة البداية..).

      يحاول الشاعر من خلال هذا العمل التجديد في شكل القصيدة والخروج عن المألوف, إضافة إلى الارتقاء باللغة إلى مستوى الجمالية وذلك من خلال إعادة توزيع الكلمات على مساحة الورقة, فيحول الكتابة من نص قابل للاستهلاك إلى نص غير قابل للاستهلاك.

      وقد تأخذ تقنية البياض أشكالا أخرى في الكتابة كما هو الحال في قصيدة (المعسكر) لسعدي يوسف التي يقول فيها:

كلما انتصف الليل أوقدت نار المعسكر

في النهار احتطبت

ثم أنصت:

هل هذه خطوات الجنود؟

............

............

............

         إن مساحة البياض في النص إضافة إلى الفراغ الذي تركه الشاعر في الثلاثة أسطر الأخيرة, يدفع إلى التساؤل, مثلا ما الذي كان يدور في المعسكر؟ ولماذا توقف الشاعر فجأة عن السرد؟

       ويفتح الباب أمام تأويلات كثيرة, فقد يكون هذا الصمت فراغا تصويريا غير مرئي لما يحدث من تجاوزات واعتداءات على المساجين عند استنطاقهم وإجبارهم على الاعتراف بالتهم الموجهة إليهم, وقد تكون هذه النقط المتتابعة الصامتة هي خطوات الجنود القادمين نحو المعسكر, والتي أثارت رعب الشاعر فآثر الصمت اتقاء شرهم, وقد يكون هذا الجدل بين الكلام والصمت(السواد والبياض) صراع بين الحرية والقيد, فما باحت به القصيدة من كلام يعادل الحرية والحركة والنشاط نهارا وما صمتت عنه يوازي سلب هذه القيم ودوسها بوقع خطوات الجنود كلما انتصف الليل.

        قد يعمد الشاعر المعاصر إلى الحذف قصدا وذلك لإثارة انتباه القارئ وإشراكه في بناء النص الشعري, أي استكمال ما نقص من دواله والسعي نحو تحقيقه دلاليا,لأن الفراغات( تلعب دورا أساسيا في بناء التشكيلات الدلالية لدى القارئ).

2 .  التنسيق الهندسي للدوال:

قد يلجأ الشاعر المعاصر أحيانا إلى تنسيق الدوال هندسيا مستهدفا إنتاج المعنى على نحو موز لهذا التنسيق, وتصل الفراغات الطباعية في بعض الصفحات إلى مساحات واسعة , ففي قصيدة( أنا آت إلى ظل عينيك) لمحمود درويش تكتب الجمل الشعرية بشكل متناسب مع الشعور النفسي الذي تفصح عنه دلالات الجملة, فيقول:

ثم قالوا: هي الحروب كر ٌّوفرّ

ثم فروا..

        وفروا..

               وفروا..

      إن كتابة الجملة الشعرية وتوزيع الأسطر الشعرية بهذا الشكل المائل يوحي بالانزلاق ويضفي على الصورة الشعرية نوعا من حركية المضمون, إذ يستحضر القارئ صورة تكاد تكون مرئية لمشهد الهروب والفرار مرحلة مرحلة حتى يصل إلى أبعد نقطة عن السياق الكتابي للنص.

    إن الشاعر المعاصر له مطلق الحرية في اختيار أشكاله الشعرية الخاصة التي تناسب المضمون,ومن هنا كانت العلاقة بين الشكل والمضمون شديدة الترابط, وذلك لأن نسق القصيدة لا يأتي نتيجة نسق سابق الوجود بل ينشأ عن المضمون نفسه, وهذا تنسيق آخر من قصيدة (بائعة  التذاكر) لعدنان الصائغ يقول فيها:

أكف بلون التراب

                   المواعيد,

             والتبغ,

      أو كاللهاث

أكفٌّ مرابية,

أو منمقة

خشنةٌ,

  لا مبالية,

        أو مشاكسة

 نصف مفتوحة,

             نصفُ جائعةٍ,

                     نصفُ آهٍ...

      يرسم الشاعر الفقر والفساد في مجتمعه, كما يرسم الصراع بين الفقراء والفاسدين عن طريق الشكل ,فهو يوافق المعنى الداخلي للنص في: أكف( بلون التراب, ومواعيد, وتبغ, واللهاث), توحي بالحالات التي يتأذى منها الفقير , أما في: أكف( مرابية, منمقة, وخشنة, ولا مبالية, ومشاكسة ) فهي توحي بالفساد والمفسدين في المجتمع, وهذا الصراع دائم بين الأغنياء والفقراء, وقد رسمه الشاعر بشكل متموج ليبين للقارئ رفضه للوضع القائم في بلده ومدى عذابه النفسي لما يعيشه شعبه.

3 . تفتيت الكلمات ( التقطيع الخطي ) :

     ونعني به تقطيع كلمة أو مجموعة كلمات إلى أجزاء متعددة داخل القصيدة, فهو عدول بصري في طريقة الرسم الكتابي العادي للمفردات الشعرية, تعبيرا عن البعد النفسي لدلالة المفردة المقطعة في القصيدة.

       وتكشف ظاهرة التقطيع الكتابي في النص الشعري المعاصر عن الشكل الصياغي الجديد , كما أنها ظاهرة إبداعية خارقة للمألوف مثيرة للدهشة , تحاول أن تجسد تأثيرها البصري في المتلقي , وذلك بإبراز قيمتها البصرية في صورة شعرية دالة من حيث المظهر والملامح , ومن حيث المضمون والدلالة.

        لقد وظف الشاعر يوسف سعدي الكلمات المنثورة المتكررة ووزعها على بياض الصفحة بطريقة توحي بالتعبير الملحوظ عن الحركة والقيام بدور الفعل الذي يجسد الصورة الشعرية أو الفضاء الداخلي تجسيدا خارجيا حيا, وهو ما يمنح مظهر التكرار المكثف وظيفة أعمق وأبعد من دلالة التأكيد,( فقد يلجأ الشاعر في بعض الأحيان إلى تفكيك وحدة الكلمة الواحدة بحيث تبدو كل جزئية منها ذات كيان مستقل معزول عن نظيره رغم اتصاله السياقي, فيفتح بذلك تشكيلا بصريا موازيا لمضمون التبعثر والتناثر والتشظي ), ونلاحظ ذلك في قصيدة( الأعداء) ليوسف سعدي حيث يقول:

                    نعرف أن ع. ر. ا. ق حروف نتهجاها

                            أين نراه؟

                 وكنَّا نحمل آنية السلوى

                 الكلمات التي لا نفقهها

                 وَ .ع.ر. ا. ق ابنِ مبارك

          كَانَتْ أَجْسَادُ السَّمَكِ البَالِغِ نَاعِمَةً فَوْقَ حَرَاشِفِنَا

                      ك. و. س. ج

                      ك. و. س. ج

                          كوسجُ

         كوسجُ وكان الكوسجُ مندفعا نحو الماء الأبيض

             طائرة تمرق عبر ع. ر. ا. ق نجهله

      يتجلى التفتيت في هذا المقطع الشعري , حيث تحمل حروف كلمة (عراق) دلالة البعثرة والتمزيق لأوصال الوطن منذ بداية النص الذي انفتح مشهده على تهجئة الحروف , ويستمر هذا التشكيل المتقطع حتى نهاية النص الذي يغلق على حروفها يجعلها مبعثرا , في حين ظهرت ( كوسج ) مبعثرة في البداية ويحمل تفتيتها دلالة صوتية للتعبير عن تقطع الأنفاس خوفا من الكوسج, ثم تحولت إلى بنية لغوية موحدة ذات دلالة وحشية. كما استخدم عدنان الصائغ هذا الأسلوب في إنتاجه الشعري :

في الصباح

المطلّ

على مكتب فاخر

سيدلق ما قص من حلمه

في سلال الوظيفة

ثم يشطبني .....

ه.......

ك.......

ذ.......

ا.......

      ظهر التفتيت في هذا النص بطريقة عمودية, ودلت الحروف المفردة على حالة الشاعر النفسية المثيرة للدهشة, فكلمة(هكذا) المفتتة تدل على توطيد مقال الشاعر لشطبه فكأنما صرف حروف هذه الكلمة ليسجل في وعي المتلقي حرمانه وحزنه, وهذا الأسلوب طريقة تعبيرية لظهور الانفعالات الذاتية في جسد الصفحة .

4 . توظيف الأرقام وعلامات الترقيم: 

       هي علامات ورموز متفق عليها توضع في النص المكتوب بهدف تنظيمه وتسهيل قراءته, وتعني لغة( وضع رموز مخصوصة في أثناء الكتابة, لتعيين مواقع الفصل والوقف والابتداء وأنواع النبرات الصوتية والأغراض الكلامية في أثناء القراءة ) .

         كما أن الظواهر الطباعية والمغامرة الشعرية أدت إلى توظيف الأرقام التي أصبحت  أداة إنتاجية تؤدي مهمتين هما ( الفصل والوصل) على صعيد واحد, فقد أكثر الشعراء في العصر الحديث من ترقيم فقراتهم الشعرية لإعطائها حق الإنتاج الشعري أولا, ثم اعتماد التتابع الرقمي أداة ربط بين الفقرات ثانيا.

     ومن الشعراء الذين تناولوا علامات الترقيم نذكر عدنان الصائغ في قصيدته( انتظريني تحت نصب الحرية ) يقول فيها:

ماذا يحدثُ

في شكل العالم؟!

       ماذا يحدث لو...!

بدلاً من أن تزرعَ في صدري طلقهْ

    تزرع...

        في قلبي....

            وردهْ.....!؟

    يعتمد الشاعر على الاستفهام استنكاري حين يطلب الرحمة والمحبة, ويتبعه ب( لو) الامتناعية وعلامة الانفعال لعدم وجود أحد يلبي له ما يطلبه, فالشاعر يريد أن يثبت الخير فيطلب من المخاطب أن يزرع في قلبه وردة بدلا من الحقد والرصاص, ويورد الطلب مفتتا عبر الأسطر حيث يبدأ بـ( تزرع ) وبعدها نقاط, ثم( في قلبي ) ونقاط ويختمها بـ( وردة ) وبعدها علامة تعجب واستفهام ويدل ذلك كله على أن ما يطلبه بعيد المنال وهذا ما يعمق آلامه.  ويقول أمل دنقل في قصيدته (رسوم في بهو عربي ):

اللوحة الأولى على الجدار

ليلى (الدمشقية) من شرفة الحمراء ترنو لغروب الشمس

وكرمة أندلسية وفسقية

.....  ......  .......

وطبقات الصمت والغبار

نقش

( مولاي لا غالب إلا الله )

     (2)

اللوحة الأخرى ... بلا إطار:

للمسجد الأقصى ..( وكان قبل أن يحترق الرواق )

وقبة الصخرة ــ والبراق / و آية تآكلت حروفها الصغار

نقش

(مولاي لا غالب إلا ... النار)

        (3)

اللوحة الدامية الخطوط

 الواهية الخيوط :

لعاشق محترق الأجفان / كان اسمه ( سرحان)

يمسك بندقية على شفا السقوط

نقش

(بيني وبين الناس تلك (الشعرة ) / لكن من يقبض فوق الثورة يقبض فوق الجمرة)

    (4)

اللوحة الأخيرة :

خريطة مبتورة الأجزاء/ كان اسمها سيناء

ولطخة سوداء تملأ كل الصورة

نقش

(الناس سواسية ــ في الذل ــ كأسنان المشط ينكسرون كأسنان المشط/ في لحية شيخ النفط)

     تبدو القصيدة على شكل لقطات من هنا وهناك, تجمع بين الماضي والحاضر, فاللوحة الأولى تقع تحت الرقم (1) نشاهد فيها ليلى الدمشقية ( سليلة عبد الرحمان الداخل ) تنظر إلى غروب الشمس, وفسقية وبساتين الكروم ويحدث انقطاع بالفاصل الطباعي عن طريق النقط ويأتي بعده (وطبقات الصمت والغبار), واللوحة هنا باهتة الألوان, مغبرة الأركان , ذلك أن طبقات الشمس والغبار هي التي تطغى على ألوان المجد,ويأتي النقش في أسفل اللوحة        ( مولاي لا غالب إلا الله ) ليدل على أن ذلك كان شعارا لدولة بني الأحمر آخر ملوك الأندلس , وهذا الشعار سيتم إحضاره في باقي المشاهد لتفجير دلالته المتراكمة.

      ثم تنتقل الصورة من الماضي إلى الحاضر في اللوحة رقم (2) حيث تصور فداحة الحاضر , ومما نتابعه أن هذه اللوحة بلا إطارــ  وذلك دليل الإهمال ــ ويظهر فيها المسجد الأقصى وقد احترق رواقه , كما تظهر القبة والبراق, وآية( سبحان الذي أسرى ) التي تآكلت حروفها, وتنقطع الكاميرا الشعرية على المشهد لتنزل على النقش, الذي تغيرت دلالته من (لا غالب إلا الله ) إلى( لا غالب إلا ...النار ) حيث تزحزح عن مكانه في القلوب , فسادت المادية على حساب الروحية. ورغم التباعد الظاهري بين اللوحتين الأولى والثانية إلا أنهما تشتركان في حالة الضعف والانهيار الذي آلت إليه الأمة العربية .

       اللوحة الثالثة تحمل مشهدا دمويا لعاشق اسمه( سرحان ), حمل البندقية وحيدا و''كان ذلك قبل الانتفاضة, قبل انتظام الشعب الفلسطيني في ثورة الحجارة التاريخية, فكانت لوحة مقاومته الفردية المشتتة دامية وواهية, يتسلح ويترنح ويستعين بالسياسة التي لا تجدي فتيلا دون القوة, والنقش الذي كان ينبثق من ضميره أخذ يتمثل في نموذج المراوغة الشهير في شعرة معاوية, لكنه نقش باهت وضعيف حتى في تركيبه اللغوي.

    وتأتي اللوحة الأخيرة رقم (4) لتكمل مشهد المأساة العربية, وهو مشهد مظلم غائب الملامح , فالخريطة مبتورة بسيناء, والقتامة تملأ كل المشهد, وتنتقل الكاميرا الراصدة بعد ذلك  لنفاجأ بالنقش المنقطع عن اللوحة, فالناس سواسية في الذل, ولماذا ربط ذلك بلحية شيخ النفط ؟, ولعل ذلك يعود إلى أن سبب ذل الشعوب العربية هو من ضياع الأموال والثروات على أيدي مشايخ النفط, الذين بددوا ثروات الشعوب العربية  على نزواتهم وشهواتهم, فأدى ذلك إلى وجود شرائح كبيرة من الشعوب العربية فقيرة ومذلولة.

     وفي الشاهد الشعري أدت الأرقام مهنتي الفصل الظاهري السطحي والوصل على صعيد المعنى. كما وظف الشعراء علامات الترقيم منها الفاصلة والنقطة ...  يقول خليل الحاوي في مقطع شعري بعنوان  ( المجوس في أوروبا ):

ودخلنا مثل من يدخل

في ليل المقابر,

أوقدت نارا, وأجسام تلوت,

رقصة النار على ألحان ساحر,

فاستحالت عتمات السقف

بلَّورا, ثريات, وزرقة

      لقد وضع الشاعر الفاصلة في مكانها المناسب, إذ يمكن للقارئ من خلال هذه التقنية أن يأخذ نفسا للاستراحة, والفاصلة بهذه الطريقة توحي للقارئ - في الوهلة الأولى - أن هناك تقسيما لأجزاء الكلام غير مكتمل دلاليا, وهذا ما يدفعه لمواصلة القراءة, لأن هذه الجمل موصولة ببعضها البعض, واستطاع الشاعر من خلال توظيف الفاصلة أن يسجل علامة من علامات الأداء الشفوي التي تستدعي قطع النفس عند هذه الفاصلة, وهو ما يوازي قطع القراءة عند قراءة المكتوب.

( منقول بتصرف )

 التحميل من هنا




 

مميزة