الساعة

البحث


قائمة المقاييس


نص في تعريف المأساة





تعريف المأساة

   ولنتحدث الآن عن المأساة مستخلصين تعريف ماهيتها مما سبق أن قلناه  . فالمأساة إذن هي محاكاة فعل نبيل تام ، لها طول معلوم ، بلغة مزودة بألوان من التزيين تختلف وفقاً لاختلاف الأجزاء ، وهذه المحاكاة تتم بواسطة أشخاص يفعلون ، لا بواسطة الحكاية ، وتثير الرحمة والخوف فتؤدى إلى التطهير من هذه الانفعالات. وأقصد : ( اللغة المزودة بألوان من التزيين : تلك التى فيها إيقاع ولحن ونشيد ؛ وأقصد بقولي «تختلف وفقاً لاختلاف الأجزاء » أن بعض الأجزاء تؤلف بمجرد استخدام الوزن ، وبعضها الآخر باستخدام النشيد. ولما كانت المحاكاة إنما تتم بأشخاص يعملون ، فبالضرورة يمكن أن نعد من بين أجزاء المأساة  : المنظر المسرحي ، ثم النشيد ( الموسيقى ) والمقولة ـ فان هذه هي الوسائل التي بها تتم المحاكاة . وأعنى : « المقولة » تركيب الأوزان نفسه ؛ أما « النشيد » فله معنى واضح تماماً .

      ومن ناحية أخرى ، لما كان الأمر أمر محاكاة فعل ، والفعل يفترض ، وجود أشخاص يفعلون ، لهم بالضرورة أخلاق أو أفكار خاصة ( لأن الأفعال الإنسانية تتميز بمراعاة هذه الفوارق )، فان ثمت علتين طبيعيتين تحددان الأفعال وأعنى بهما : الفكر والخلق ، والأفعال هي التي تجعلنا ننجح أو نخفق . والخرافة ... هي محاكاة الفعل ، لأنني أعنى : ( الخرافة : تركيب الأفعال المنجزة ؛ وأعنى ب و الخلق » ما يجعلنا نقول عن الأشخاص الذين نراهم يفعلون إنهم يتصفون بكذا وكذا من الصفات ؛ وأعنى بـ «الفكر كلّ ما يقوله الأشخاص لإثبات شيء أو للتصريح بما يقررون .

     وإذن في المأساة بالضرورة ستة أجزاء تتركب منها وتجعلها هي ما هي ، وهي : الخرافة ، والأخلاق ، والمقولة ، والفكر ، والمنظر المسرحي ، والنشيد . وذلك لأن وسائل المحاكاة تتضمن جزأين من هذه الأجزاء الستة ، وطريقة المحاكاة تتضمن جزءاً واحداً، وموضوع المحاكاة يتضمن ثلاثة أجزاء : ولا شيء غير ذلك  . والشعراء جميعاً قد استخدموا هذه الأجزاء  ، لأن جميع المآسي تتضمن: جهازاً مسرحياً ، وأخلاقاً ، وخرافة ، ومقولة ، ونشيداً وفكراً .

    وأهم هذه الأجزاء تركيب الأفعال ، لأن المأساة لا تحاكي الناس ، بل تحاكى الفعل والحياة ، والسعادة والشقاوة ؛ والسعادة > والشقاوة هما من نتائج الفعل ، وغاية الحياة كيفية عمل لا كيفية وجود ؛ والناس هم ما هم بسبب أ أخلاقهم ، ولكنهم يكونون سعداء أو غير سعداء بسبب أفعالهم. وإذن فالأشخاص لا يفعلون ابتغاء محاكاة الأخلاق ، بل يتصفون بهذا الخلق أو ذاك نتيجة أفعالهم ؛ ولهذا فان الأفعال والخرافة هما الغاية فى المأساة ؛ والغاية في كل شيء أهم ما فيه  .

    و فضلا عن هذا ، فلا توجد مأساة بغير فعل ، ولكن توجد مآس بغير أخلاق ( أو عادات ) ، إذ المآسي التي ألفها معظم الشعراء المحدثين خالية من الأخلاق ، وبالجملة هذه حال كثير من الشعراء ، كما هي أيضاً حال منزبوكسيس بالنسبة إلى فواوغنوطس من بين الرسامين : لأن فوغنوطس رسام ماهر في رسم الأخلاق ( العادات ) ، بينما رسوم زيوكسيس  خالية من كل خلق . ولو برع المرء فى تأليف أقوال تكشف عن الأخلاق وتمتاز بفخامة العبارة وجلالة الفكرة ، لما بلغ المراد من المأساة ، إنما يبلغه حقاً بمأساة أضعف عبارة وفكرة ولكنها ذات خرافة وتركيب أفعال . أضف إلى هذا أن مصدر اللذة الحقيقي لنفس المشاهد للمأساة إنما هو في أجزاء الخرافة ، أعنى التحولات والتعرفات .

       ودليل آخر  هو أن الشعراء الناشئين ماهرون في العبارة والأخلاق قبل أن يقدروا على تركيب الأفعال ، كما هو شأن جل الشعراء الأقدمين . فالخرافة إذن مبدأ المأساة وروحها ؛ ويتلوها فى المرتبة الثانية الأخلاق . وشبيه بهذا ما يقع في الرسم : فلو أن رساماً أفاض في التلوين بأجمل الألوان ولكن ... بغير خطة مرسومة لكان عمله أدنى منزلة وجمالا من رسام يرسم صورة تخطيطية .

     ألا إن المأساة محاكاة فعل ، وبفضل الفعل تحاكى أناساً يفعلون.  وفي المقام الثالث تأتى الفكرة . وأعنى بالفكرة القدرة على إيجاد اللغة التي يقتضها الموقف وتتلاءم وإياه ، وهذا في البلاغة من شأن السياسة والخطابة ؛ فالشعراء القدماء كانوا يعيرون الأشخاص لغة الحياة المدنية ، والمحدثون يجعلونهم يتكلمون لغة الخطباء

      والخلق هو ما يرسم طريق السلوك ، هو ما يختاره المرء إذا ما أشكل الأمر أو يتجنبه ( ولهذا فلا أخلاق في الأقوال التي ليس فيها أدنى اختيار أو اجتناب من جانب المتكلم ) ؛ والفكرة توجد أينما برهنا على أن هذا الشيء موجود أو غير موجود ، أو أفصحنا عن فكرة عامة.

      ورابع الأجزاء المرتبطة باللغة هو المقولة  ، وأعنى بها كما قلت آنفاً الترجمة عن الفكرة بالألفاظ، ولها نفس الخصائص فيما يكتب نظماً وما يكتب نثراً . ومن بين سائر الأجزاء التأليفية يحتل النشيد  (صناعة الصوت) المقام الأول بين التزيينات . أما المنظر المسرحي فعلى الرغم من قدرته على إغراء الجمهور، فهو أبعد الأشياء عن الفن وأقلها اختصاصاً بصناعة الشعر ، لأن قوة المأساة ، تظل حتى من غير مشاهدين ومن غير ممثلين ، فضلا عن أن المخرج أقدر من الشاعر في فن إخراج المناظر المسرحية .

الفعل ومداه في المأساة:

    بعد أن أوضحنا هذه الأجزاء التأليفية ، لننظر الآن ماذا يجب أن يكون عليه ترتيب الحوادث، لأن هذا هو نقطة البدء في المأساة وأهم صفة فيها . لقد قررنا أن المأساة محاكاة فعل تام له مدى معلوم، لأن الشيء يمكن أن يكون تاماً دون أن يكون له مدى . والتام هو ماله بداية ووسط ونهاية . والبداية  هي ما لا يعقب بذاته وبالضرورة شيئاً آخر ، ولكن بعده شيء آخر يوجد أو محدث بالطبيعة نفسها ؛ والنهاية على العكس من هذا ، هي ما بذاته وبالطبيعة يعتب شيئاً آخر ، ضرورة أو في معظم الأحيان، ولكن ليس بعده شيء ؛

والوسط هو ما بذاته يعقب شيئاً آخر ويعقبه شيء آخر . والخرافات إذن إن أجيد تأليفها يجب ألا تبدأ وألا تنتهى عند نقطة أيا كانت تتخذ اتفاقاً ، بل يجب أن تتفق والمبادئ التي أتينا على ذكرها . كذلك الجميل، سواء أكان كائناً حياً أم شيئاً مكوناً من أجزاء . بالضرورة ينطوي على نظام يقوم بين أجزائه هذه وله عظم يخضع لشروط معلومة. فالحمال يقوم على العظم والنظام ، ولهذا فان الكائن العضوى الحي إذا كان صغيراً جداً لا يمكن أن يكون جميلا ، لأن إدراكنا يصبح : غامضاً وكأنه يقع في برهة لا يمكن  إدراكها ؛ كذلك إن كان عظما جداً ، بأن كان طوله عشرة آلاف ميدان مثلا ، إذ في هذه الحالة لا يمكن أن يحيط به النظر ، بل تنده الوحدة والمجموع عن نظر الناظر . فإذا ما تقرر هذا ، فانه كما أن الأجسام والأحياء يجب أن يكون لها عظم يمكن تناوله بالإدراك، فكذلك الأمر في الخرافات :

     يجب أن يكون لها من الامتداد ما تقوى الذاكرة على وعيه بسهولة . على أن تعيين  الحد الذي يمكن أن تبلغه المأساة في امتدادها – مع مراعاة أحوال الوسائل المسرحية وصبر الجمهور أمر ليس من شأن فن الشعر ، لأنه لو كان المطلوب تمثيل مائة مأساة ، لقيس الزمان بواسطة الساعة المسائية كما حدث أحياناً فيما يزعمون.

    وإنما الحد المتفق مع طبيعة الأشياء هو أنه : كلما طالت الخرافة - بشرط إمكان إدراك مجموعها حملة ازداد حمالها الناشيء عن عظمها ؛ ولوضع قاعدة عامة في هذا نقول إن الطول الكافي هو السلسلة من الأحداث، التى تتوالى وفقاً للاحتمال أو الضرورة ، أن تنتقل بالبطل من الشقاوة إلى النعيم أو من النعيم إلى الشقاوة .

   إن وحدة الخرافة لا تنشأ ، كما يزعم البعض ، عن كون موضوعها شخصاً واحداً ؛ لأن حياة الشخص الواحد تنطوى على ما لا حد له من الأحداث التي لا تكون وحدة . كذلك الشخص الواحد ممكن أن ينجز أفعالا لا تكون فعلا واحداً . ولهذا يبدو أن جميع الشعراء الذين ألفوا « هرقليات » أو « تيسيوسيات وما شاكل هذه من قصائد - قد أخطأوا وضلوا ، لأنهم حسبوا أن كون البطل شخصاً واحداً ، هرقل مثلا ، يقتضى بالضرورة أن تكون الخرافة واحدة . أما هوميروس ، وله في كل شيء المقام الأعلى ، فقد أصاب شاكلة الصواب في هذه المسألة بفضل معرفته بأسرار الفن أو بفضل عبقريته : إذ أنه حينما ألف « أوذوسيا » لم يرو جميع حوادث حياة أودوسوس – أنه جرح في فارناسوس وتظاهر بالجنون حينما احتشد الإغريق - لأن هذين الحادثين لا يرتبطان بحيث إذا وقع الواحد وقع الآخر بالضرورة أو احتمالاً ؛ وإنما ألف أوذوسيا  بأن جعل مدار الفعل فيها حول شيء واحد بالمعنى الذي نقصده . وكذلك فعل في « الإلياذة »  وكما في سائر فنون المحاكاة تنشأ وحدة المحاكاة من وحدة الموضوع كذلك في الخرافة ، لأنها محاكاة فعل ، يجب أن يكون الفعل واحداً وتاماً ، وأن تؤلف الأجزاء بحيث إذا نقل أو بتر جزء انفرط عقد الكل وتزعزع ؛ لأن ما يمكن أن يضاف أو ألا يضاف دون نتيجة ملموسة لا يكون جزءاً من الكل.


مميزة