الساعة

البحث


قائمة المقاييس


الشعر المغاربي الحديث مقدمة قصيرة جدا

 



مدخل إلى الشعر المغاربي الحديث

 خصوصية المكان ومكانة الإبداع :

      عرف النص الشعري المغاربي و بحكم التحولات التاريخية والحضارات المتعاقبة على المغرب الكبير وبحكم موقعه الاستراتيجي بين أوروبا وإفريقيا والمشرق موقعا متميزا ثقافيا مختلفا معرفيا مايزه عن باقي الثقافات المحيطة . وكان لذلك أثر بالغ في طبيعة الإبداع الأدبي والشعري على الخصوص ، وقد أخذ لنفسه مكانة وسمة مكنته من الظهور على المستوى العالمي كأدب مختلف له خصوصيته وطابعه الخاص .

بين ثقافتين الشرق والغرب  :

    وما يهم حقا هو الإجابة على سؤال الخصوصية الجمالية والفنية التي يتمتع بها كأدب مختلف عن نظيره المشرقي الذي طالما اتهم بتقليده والتبعية له . والأمر هنا لا يتعلق بالمنافسة كما يرتئي البعض وإنما بثراء الأدب العربي وسعة استيعابه لفسيفساء العالم العربي الثقافية والاجتماعية واللهجية . والتأثر بالأدب المشرقي في فترات مختلفة لا  يمنع بتاتا تطور الأدب المغربي من داخله كما يشهد بذلك تاريخه.

     ولأجل التخلص من التبعية للأدب المشرقي ومواكبة الغرب الحضاري لجأ الأدباء المغاربة إلى الفرنسية كبديل للتقليد ورغبة في التجديد من جهة وكحتمية في ظل الاستعمار الذي فرض الفرنسية كواقع لغوي . ومن هنا ظهرت روايات وشعر باللغة الفرنسية لأدباء مثل إدريس الشرايبي والطاهر بن جلون ومحمد عزيزة ومولود فرعون ومولود معمري ومحمد الديب وغيرهم من المغرب وتونس والجزائر وارتقوا بهذا الأدب إلى  مصاف المقروئية العالمية .

إشكالية الهوية والانتماء :

      وواجهت هذا النوع من الأدب المكتوب بغير لغة الأوطان إشكالية الهوية والانتماء وإن كانت روحه العربية بائنة الظهور إلا أنه في النهاية جسد ذلك الوضع الاجتماعي والمأساتي للمغرب العربي عموما ورفع من روح المقاومة والممانعة للمستعمر ، وفي الوقت الذي كان فيه هذا الأدب يكافح لأجل الهوية والانتماء برز أدب مكتوب بلغة عربية أصيلة وراقية تستوعب الواقع الاجتماعي والثقافي للهوية الضائعة وبفلسفة معاصرة حية تسبر أكبر مشكلات الأمة مع كاتب تونسي هو محمود المسعدي  ، ولأجل هذا التميز الذي حظي به الأدب المغاربي  بنسختيه  العربية والفرنسية تحولت الكتابة إلى احترافية عالية ترقى إلى مصاف العالمية وشاهد ذلك الجوائر التي تحصدها الروايات المغاربية والشعر سنويا في المحافل الدولية . ولقد كان لطه حسين استشراف لم يسبق إليه حين رأى في روايتي  ( السد و نجمة ) للكاتبين المسعدي  وياسين مستقيل الرواية ونجاحها .

مصطلح الأدب المغاربي :

     ونقصد بالأدب المغربي عموما ذلك الأدب الذي يجمع الأقطار المغربية الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا ويتميز بخصوصية ثقافية وحضارية مختلفة عاشت تجارب حياتية واجتماعية مشتركة منذ ردح من الزمن . وإن دان مصطلح الأدب المغاربي الحديث لفترة الخمسينيات من القرن العشرين مع بداية التحرر وظهور الحركة الروائية المغاربية ضمن سلسلة le Seuil  الفرنسية التي ألهبت منارات الفن الروائي مع مولود معمري والديب وفرعون وخير الدين المغربي .

   ورغم ظروف الفرقة والتباعد بين البلدان الشقيقة في المغرب العربي إلا أنها استطاعت أن ترسم لها مكانا جغرافيا محددا وواضحا على خريطة الإبداع والأدب فظهرت قامات عالمية شهيرة كإبراهيم الكوني ووسيني لعرج  وياسمينة خضرة وأحلام مستغانمي .

     وفي النهاية يعبر الأدب المغاربي الحديث عن منطقة تمتلك خصوصية تاريخية وثقافية وامتداد حضاري بطرق فنية تتناسب مع هذه الخصوصية ، وإذا كانت العربية هي حجر الزاوية في هذا الإبداع والدين رافدها الأكثر تجذرا  فإن ارتباطها بالمركز الثقافي المشرقي أمر طبيعي لا يشكل أي تعارض مع الغاية المرجوة من الحداثة والتحديث بل تعتبر ضمانة الانتماء والهوية . وحتى الكتابة بالفرنسية في ظل المفاهيم التفكيكية لا تعد تهديدا لهذه  لهوية العميقة .

    ولعل التجربة الثقافية والحضارية للأندلس شاهد على النجاح الذي حققته في ظل اختلافها عن إشعاع المركز بعد تخطي مرحلة التقليد إلى التجديد فكان لها هذا الإرث الذي خلفته هذه الثقافة المميزة بما تركته من منهج عقلاني وروح فلسفية ومغامرة إبداعية ، ولعل إرث التمرد والتجاوز الذي تركه الأندلس هو ذاته الذي يحرك المغاربة بصفتهم الورثة  لهذه الحضارة ، فالامتداد الجغرافي والترابط التاريخي واحد في النهاية .

     وإذا كان وعي المغاربة بإنتاج المركز لم ينقطع أبدا بل كان حافزا للنهضة والتطور في مراحل متعددة من نهضة المغرب قديما وحديثا إلا أنه- وبالإضافة إلى ذلك - استفاد من خصوصية ارتباطه بالثقافة الغربية حيث الانفتاح على النظريات الغربية في مجالات الرواية والشعر والنقد واللسانيات الأمر الذي دفع بالتجربة المغاربية إلى التجريب والمواكبة مبكرا . فكان له السبق على المشرق في مجال الوعي بالمنجز الغربي الحداثي بشكل أسرع وأكبر وتحولت بذلك عملية التأثير من الأطراف إلى المركز أي التأثير المغربي في الوعي المشرقي . والملاحظ أن حركية الإبداع تأخرت في هذا المدماك عن حركية النقد التي انطلقت مع الثمانينات من القرن العشرين وحمل همها الباحثون والأكادميون والجامعيون وهيأت أرضية الإبداع وخاصة في مجال السرد الذي لم ينطلق انطلاقته الحقيقية والقوية إلا مع بداية القرن الحالي بعد تخلصه من تبعية التنظير .

الانفكاك من التقليد والتحرر من التبعية :

     ورغم اتصاف الأدب المغاربي بالارتباط بالمنتج الغربي نقديا إلا أنه بقي يحفظ صلته بالتراث من خلال عامل اللغة الأمر الذي ميزه حقا ومنحه مناعة من الذوبان في الثقافة الغربية بل جعله ينفتح على الجمالية الغربية ومدارسها دون خوف على الهوية من جهة ومن جهة أخرى استفاد من الأدوات الفنية والتصويرية وخاصة في مجال الرواية مع خصوصية الارتباط بالتراث السردي العربي القديم منه والشعبي على الخصوص .

        ومن الواضح أن أهم عوامل القوة والوحدة في الأدب  المغاربي وجود إجماع داخل الأوساط الأدبية والأكاديمية خاصة على أهمية التركيز على فكرة النهضة الشاملة لبلدان المغرب العربي من المراجعة إلى التأسيس إلى الإبداع ، ويساعد في ذلك التنوع وتوزع الأدوار بين العواصم الكبرى ، فالمغرب يحفل كثيرا بعملتي التأسيس والمراجعة على مستوى النقد و القصة القصيرة في الإبداع أما الجزائر فقد اهتمت بالرواية إلى جانب ليبيا وأما تونس فلها اهتمام واسع بالشعر إلى جانب موريتانيا .

     وفي النهاية يعود التطور المغاربي أدبيا إلى ذلك الارتباط بين المجتمعات وبين وسائط التعبير عنها ، فالأديب المغاربي يضع العلاقة بينه وبين المجتمع على رأس عمليات التجريب الأدبي فيعبر عن روح المجتمعات بلسانها وطريقتها وليس أدل على ذلك من النجاحات التي حققها المسرح المغاربي في الجزائر والمغرب خاصة إذ كانت التجربة حية من حلقات القوال والمداح وغيرها ... إن هذا الارتباط العضوي هو الذي أهل هذا الأدب إلى النجاح على المستوى العربي والعالمي .

      ولقد أصبح الأدب المغاربي والإبداع على وجه الخصوص أكثر وعيا بالخصوصية الذاتية التي تميزه كأدب إنساني وعالمي . وبهذا حقق الأدب المغاربي خصوصيته الجمالية ومقوماته الفنية ورؤيته الخاصة للعالم وقضايا الوجود الإنساني .

     

 

    

 

مميزة