نظرية
الأدب
المفهوم والأبعاد
ولأننا نعتبر أن الأدب ليس من
المسلمات كان هذا الكتاب الذي يسلّط الضوء على أربعة وجوه أساسية في نظرنا للأدب.
الفصل الأول:
يعالج الاتصال الأدبي ويحلّل
المراحل المختلفة الممتدة من تصوّر المؤلّف للنص إلى امتلاك القارئ لهذا النص بشكل
كتاب.
الفصل الثاني:
ينظر في مفهوم الأثر، ويحاول لفت الانتباه إلى أبعاده وحدوده، ويطرح بعض
الأسئلة الأساسية حول الوحدة التي ينبغي أخذها في الاعتبار: الاقتباس القصيدة أو
الفصل الكتاب مجموع آثار المؤلف مهما كانت طبيعتها ما معنى كلمة آثار ؟ المنشورة
أو الخطية؟
الفصل الثالث:
يدرس مسألة المعرفة التي من شأن
الأثر الأدبي أن ينقلها ، وهذه مسألة معقدة. فالنقد الحديث يميل إلى افتراض تضاد
واضح بين الأدب والمعرفة باسم أولية الكتابة على المضمون ولكن قراءة النصوص تقودنا
إلى رؤية مختلفة. يسهل إثبات اختلاف النص العلمي اختلافا جذريا عن النص الأدبي في
الغايات والتزامه، خلافا للنص الأدبي، بتجنب تعدد المعاني والتضمينات. ويصعب إنكار
طاقة النص الأدبي على التعبير عن مضمون تصوّري لا صلة له مبدئيا بالتعليم. وقد بدا
لنا من المفيد جدا طرح هذه المسألة الأساسية التي غالبا ما يتم استبعادها . فالنظر
فيها يتيح خصوصا أن نفهم المعنى العميق الذي يمكن أن يتخذه الاستناد إلى أثر تأسيسي
في حضارة ما . وهذا ينطبق تماما على العصر الحديث.
الفصل الرابع :
يبحث في القراءة. فإحدى المسائل الأساسية التي يطرحها النظر في الأدب، هي
معرفة ما إذا كان وجود الأثر الأدبي هو فقط نتيجة منطقية ومباشرة لوجود الهيئة
المسماة (مؤلّف) أم هو. على العكس وإلى حد كبير، نتيجة عمل يقوم به قارئ يكشف
المؤلف بطريقة ذاتية وإبداعية ويحدّد إطار الأثر، وبتعبير آخر، هل الأثر هو نتاج
المؤلّف أو نتاج القارئ ؟ ليس الجواب عن هذا السؤال بديهيا ، فأمامنا إشكالية
كاملة أساسية تتصل بطريقة وجود الأثر الأدبي، وينبغي علينا النظر فيها[1].
نظرية الأدب
1.
الفصل الأول: الاتصال الأدبي:
* القضية
الأساسية: يركّز على مفهوم العملية الأدبية كفعل تواصلي ممتدّ من نية المؤلّف،
مرورًا بصياغة النص، وصولًا إلى تملّك القارئ له بوصفه "أثرًا".
* البعد النظري : يقترب من النظريات التواصلية (ياكبسون)
ومن مفهوم "دائرة الاتصال الأدبي" التي تشمل المرسل، الرسالة، القناة،
والمرسل إليه. الأدب هنا ليس معطى ثابتًا بل عملية دينامية مشروطة بالانتقال
والتلقي.
* الإشكالية: هل
قيمة الأدب تكمن في نوايا المؤلف، أم في استقلال النص، أم في فعل التلقي ذاته؟
2. الفصل
الثاني: مفهوم الأثر الأدبي
* القضية
الأساسية: محاولة تعريف ما يُسمّى "الأثر"؛ هل هو النص المطبوع؟ أم
المخطوط؟ أم مجموع إنتاج المؤلّف؟ وهل يمكن اعتبار المقتطف أو القصيدة أو الفصل
وحدة مستقلة؟
* البعد النظري:
يثير هذا الفصل سؤال الهوية النصية (textual identity)؛ وهو سؤال محوري في نظرية النص عند جنيت (1982)
وكريستيفا. كما يفتح الباب على النقاش حول "العمل" (work) و"النص" (text) عند بارت.
* الإشكالية:
أين يبدأ الأثر وأين ينتهي؟ وما معايير وحدته؟
3. الفصل الثالث: الأدب والمعرفة
* القضية
الأساسية: يضع موضع التساؤل العلاقة بين الأدب والمعرفة: هل الأدب مجرد
"شكل" منفصل عن المضمون، أم أن له قدرة على إنتاج معرفة نوعية لا تختزل
في المعارف العلمية؟
* البعد النظري:
يواجه هنا الاتجاه الشكلي (الذي يعطي الأولوية للكتابة على المضمون) بتيار آخر يرى
أن الأدب يحمل (طاقة معرفية)، لا بمعنى المعلومة المباشرة بل من خلال فتح تعددية
الدلالات، وتجسيد الخبرة الإنسانية، وإرساء آثار تأسيسية في الحضارات.
* الإشكالية: ما
طبيعة المعرفة التي ينقلها النص الأدبي؟ وهل يمكن الحديث عن "معرفة
أدبية" متميزة عن المعرفة العلمية؟
4.الفصل الرابع: القراءة والأثر
* القضية
الأساسية: يطرح سؤالًا جذريًا: هل الأثر الأدبي نتاج المؤلف أم نتاج القارئ؟ وهل
الوجود الفعلي للأثر يتحدد بفعل التأليف وحده أم بفعل القراءة والتلقي؟
* البعد النظري:
هذا الفصل يتقاطع مباشرة مع (نظرية التلقي) (Jauss, Iser) ومع تيارات التفكيك التي تؤكد أن
المعنى ليس "مخزّنًا" في النص بل يُنتَج في لحظة القراءة.
* الإشكالية:
كيف نحدد "كينونة الأثر الأدبي"؟ هل بسلطة المؤلف، أم بفاعلية القارئ،
أم في التفاعل بين الاثنين؟
5. خلاصة منهجية:
أربع قضايا كبرى
يركز عليها المقطع في نظرية الأدب:
|
1. الاتصال
الأدبي: الأدب كعملية تواصلية. |
1. الأدب
كعملية تواصلية (البعد التداولي). |
|
2. الأثر الأدبي: تحديد هوية ووحدة النص. |
2. الأثر
الأدبي كوحدة إشكالية (البعد النصي). |
|
3. الأدب والمعرفة: إمكانات الأدب المعرفية. |
3. الأدب
كإمكان معرفي (البعد الإبستمولوجي). |
|
4. القراءة: دور القارئ في تشكيل المعنى. |
1. القارئ
كفاعل أساسي (البعد التأويلي). |
بهذا، فهو يوازن
بين ثلاثة أقطاب نظرية الأدب الكبرى: (المؤلف – النص – القارئ) مع إضافة بعد خاص
هو (المعرفة الأدبية).
مراجع :
1.
Barthes, R. (1977). *Image, music, text* (S. Heath, Trans.). London:
Fontana PressGenette, G. (1982). *Figures of literary discourse*. New York:
Columbia University Press
2. Iser, W. (1978). *The
act of reading: A theory of aesthetic response*. Baltimore: Johns Hopkins
University Press
3. Jauss, H. R. (1982).
*Toward an aesthetic of reception* (T. Bahti, Trans.). Minneapolis: University
of Minnesota Press
4.
Jakobson, R. (1960). Linguistics and poetics. In T. Sebeok (Ed.),
*Style in language* (pp. 350–377). Cambridge, MA: MIT Press
مخطط يوضح أهم منطلقات قضايا النظرية الأدبية
تطبيق
المقدمة
يشكّل شعر المتنبي نموذجًا مركزيًا لدراسة
الأدب من منظور نظري شامل، إذ يجمع بين الخصوصية الأسلوبية والتكثيف المعرفي
والقدرة على استدعاء أفق قارئ متجدد عبر العصور. وتتيح قصيدته الشهيرة:
إِذا غامَرتَ في شَــرَفٍ مَـــرومٍ فَلا
تَقنَــــــع بِما دونَ النُجومِ
فَطَعمُ المـَوتِ في أَمرٍ صَــــغيرٍ كَطَعمِ المـــَوتِ في أَمرٍ عَظـيمِ
سَتَبكي شَــــجوَها فَرَسي وَمُهري صَـــفائِحُ
دَمــعُها ماءُ الجُسومِ
قَرَبنَ النارَ ثُمَّ نَشَـــــــأنَ فيها كَما نَشَأَ العــَذارى في النَـــعيمِ
أن
تُطبَّق عليها أبرز المحاور التي يعالجها النظرية (الاتصال الأدبي، الأثر،
المعرفة، القراءة)، حيث ينكشف النص بوصفه سيرورة متداخلة بين المؤلف والنص
والقارئ، لا مجرد معطًى مكتمل.
أولًا: الاتصال الأدبي
في ضوء نظريات
الاتصال الأدبي (Jakobson, 1960)، يتضح أن عملية
الإبداع الشعري عند المتنبي ليست فعلًا فرديًا مغلقًا، بل خطاب تواصلي يوجَّه إلى
متلقٍّ حاضر أو متخيَّل. فالمتنبي يُنشئ خطابه ضمن علاقة مركبة:
- المؤلف: شاعر يسعى لتثبيت صورته كشاعر
عظيم .
- الرسالة: دعوة إلى السعي وراء المعالي
ورفض الخمول.
- القناة: لغة شعرية رفيعة محكومة بالإيقاع
والوزن.
- المتلقي: المخاطب الفارس/المتلقي
التاريخي/القارئ المعاصر.
بهذا المعنى،
يصبح النص الأدبي حدثًا تواصليًا متجدّدًا، لا مجرد نتاج لغوي ثابت (Eagleton, 2008).
ثانيًا: الأثر الأدبي
يطرح
البيت الشهير إشكالية "وحدة الأثر" كما حددها النقاد (Genette, 1982). فالبيت وحده يتداول عبر الذاكرة
الثقافية العربية ويُستشهد به مستقلاً عن القصيدة، مما يجعل السؤال قائمًا: هل
الأثر هو النص الكامل، أم المقتطف الذي يكتسب استقلالية تداولية؟
هذا يبرز
التوتر بين "العمل" (work) و"النص" (text) عند بارت (1977): فالقصيدة عمل
متكامل، لكن تداول بيت أو بيتين يجعل النص متشظيًا في الذاكرة الثقافية. وهكذا
يثبت شعر المتنبي أن هوية الأثر ليست نهائية، بل نسبية وسياقية.
ثالثًا: الأدب والمعرفة
يرفض
المتنبي في هذه الأبيات الاكتفاء بالمعيش البسيط، ويؤكد أن "المغامرة في
الشرف" أسمى من حياة الخمول. هذه ليست معرفة علمية بالمعنى الوضعي، لكنها
"معرفة أدبية" تنقل قيَمًا وجودية ومفاهيم حضارية عبر الصورة الشعرية.
النقد الحديث
ميّز بين المعرفة العلمية (التي تسعى للوضوح والدقة) والمعرفة الأدبية (التي تحتفي
بتعدد المعاني والإيحاءات (، (Iser;1978) قصيدة المتنبي هنا تعبّر عن معرفة قيمية ــ أخلاقية لا يمكن بلوغها عبر
تقرير علمي، بل عبر شحنة جمالية تترسّب في الوعي الجمعي.
رابعًا: القراءة والأثر
يطرح
النص سؤالًا محوريًا: هل الأثر الأدبي قائم بذاته أم يُعاد إنتاجه بفعل القراءة؟
وفق نظرية التلقي (Jauss, 1982)، يتحدد معنى
النص من خلال أفق توقعات القارئ.
- القارئ في
القرن الرابع الهجري قد يفهم النص في سياق البطولة والفروسية.
- القارئ
المعاصر قد يقرأه بوصفه رمزًا للطموح الفردي والارتقاء الذاتي.
إذن، النص ليس
معطى جامدًا، بل فضاء للتفاعل بين أثر تاريخي حيّ وتأويلات متجددة.
الخاتمة
يُظهر تطبيق مفاهيم الكتاب على شعر المتنبي أن الأدب لا يمكن اختزاله في
بعد واحد؛ فهو عملية تواصلية تتوسط بين المؤلف والقارئ، وهو أيضًا أثر
إشكالي يتردد بين وحدة النص وتشظيه، كما أنه حامل لمعارف أدبية مغايرة للمعرفة
العلمية، وأخيرًا، هو نتاج القراءة والتأويل بقدر، ما هو انتاج الكتابة .
بهذا المعنى، يتحقق ما ذهب إليه
النقاد المعاصرون من أن الأدب ليس مسلَّمة جاهزة، بل سيرورة مفتوحة يتقاطع فيها
الإبداع والاتصال والمعرفة والتلقي، وهو ما يجعل نصًا واحدًا للمتنبي صالحًا لأن
يكون مختبرًا حيًا لنظرية الأدب في أبعادها الكبرى.
المراجع (APA)
- Barthes,
R. (1977). Image, music, text (S. Heath, Trans.). London: Fontana
Press.
- Eagleton,
T. (2008). Literary theory: An introduction. Minneapolis:
University of Minnesota Press.
- Genette,
G. (1982). Figures of literary discourse. New York: Columbia
University Press.
- Iser, W.
(1978). The act of reading: A theory of aesthetic response.
Baltimore: Johns Hopkins University Press.
- Jauss,
H. R. (1982). Toward an aesthetic of reception (T. Bahti, Trans.).
Minneapolis: University of Minnesota Press.
- Jakobson,
R. (1960). Linguistics and poetics. In T. Sebeok (Ed.), Style in
language (pp. 350–377). Cambridge, MA: MIT Press.
[1] فريس، إ.، & موراليس، ب. (2004). قضايا
أدبية عامة: آفاق جديدة في نظرية الأدب (ل. زيتوني، مترجم). سلسلة عالم المعرفة
(ع. 300). الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. ( المقدمة )
